العراق، بابل - ينتظر الفلاّح علي الجبوري في ريف بابل - جنوبي بغداد، جفاف المستنقعات الطبيعية الّتي خلّفها سقوط الأمطار لكي يترشّح الملح الطبيعي الناجم عن تبخّر المياه منها، ويقوم مع أفراد أسرته، من ضمنهم النّسوة، بجمعه وبيعه إلى التجّار. ذلّكم حلّ للحصول على لقمة العيش أملته ظروف شحّ المياه أصلاً، ثمّ الفقر الّذي يعاني منه الفلاّحون، فهناك أراض زراعيّة واسعة تحوّلت في معظمها إلى مناطق مجدّبة بسبب شحّ المياه، ممّا اضطرّ أسر الفلاّحين إلى البحث عن مصدر عيش آخر، فبعضهم هاجر إلى المدينة، وبعضهم الآخر وجد في جمع الملح مهنة جديدة قديمة تدرّ عليه القليل من المال.
منذ الفجر، تبدأ أم علي، زوجة الجبوري، عملها في المستنقع، فتغطس بقدميها في مياه البحيرات المالحة الساكنة، وإلى جانبها خمس فتيات من بناتها وأقربائها يجمعن الملح. وبحلول منتصف النهار، تكون حصيلة العمل ملء نحو سبعة أكياس، فيباع إلى التجّار ما يعادل دولاراً واحداً للكيس. وبعد أن ينتهي العمل، يصل الجبوري بسيّارته الـ"بيك آب " المتقادمة إلى الموقع، فيحمل الأكياس على ظهر السيارة، إلى جانب زوجته والفتيات.
هذا العمل موسميّ، ينتظر حلول الشتاء وهطول الأمطار الشحيح أصلاً في قضاء المحاويل ببابل، ثمّ ينتظر الصيف لتجفيف المياه. ومن هنا، فإنّ عمل الأسرة في استخراج الملح لا يتعدّى بضعة أسابيع بحسب ما أشار الجبوري في حديثه لـ"المونيتور"، الّذي قال أيضاً: "فصل الصيف هو الوقت المناسب لاستخراج الملح، إذ يؤدّي ارتفاع درجات الحرارة لنحو خمسين درجة مئويّة، إلى سرعة تبخّر المياه من المستنقعات، ولا يتبقّى غير طبقة الملح الّتي يمكن إزالتها بسهولة أكثر".
وإنّ الممالح، هي اسم مستنقعات الملح في العراق، والمقصود منها البحيرات الراكدة المنشرة فوق سطح الأرض، يمكن رؤيتها بوضوح على أطراف المدن وفي الأرياف وحدود الصحراء، ويعمل فيها سكّان القرى والبدو كعمل جماعيّ تغرق فيه الأقدام والأيادي في المياه المتبقية بعد التبخر، والملح. وبسبب هذا الإرتباط بملح الأرض في الكثير من مساحات العراق الجافّة، أطلق العقل الجمعيّ لقب "أولاد الملحة" على السكّان في وسط العراق وجنوبه، وهي مفردة مشتقّة لغويّاً من كلمة ملح، وتعني "ابن المرأة بسحنة تشبه الملح" في منطقة كيش - جنوبي بابل.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.