ما أن تظهر بسرعة غير اعتياديّة ملامح الغنى عند أحد العاطلين عن العمل حتّى يخمّن الناس مردّ ذلك ويصيغوا تخمينهم في عبارة "بيشتغل آي بي هات"، وهي التّسمية الشعبيّة الشائعة في قطاع غزّة لقرصنة "المكالمات الصوتية عبر الإنترنت"، وتمّ اشتقاقها من المعرّف الرقميّ للجهاز المتّصل بشبكة معلوماتيّة IP address ، حيث بدأ يشكّل هؤلاء القراصنة في غزة نادياً اجتماعيّاً صغيراً وغيتو يصعب اختراقه.
لقد ظهرت قرصنة "المكالمات الصوتية عبر الإنترنت (VoIP)"، بالتّزامن مع فرض الحصار الإسرائيليّ على قطاع غزّة وعزله تماماً عن العالم الخارجيّ منذ عام 2007، كانت المرحلة الأولى لقرصنة المكالمات الصوتية عبر الإنترنت في قطاع غزة قد نشأت على يد أحد محترفي البرمجة من أجل استخدامه الشخصيّ للتّواصل مع عائلته المقيمة خارج قطاع غزّة من دون تكلفة. وما أن استطاع الحصول على فائض أكثر من حاجته حتّى بدأ يوزّع خدمة اجراء الاتصال مجّاناً على أصدقائه الرّاغبين في إجراء اتّصالات دوليّة. وبعد ذلك، عمل على استثمارها بالتّعاقد مع مكاتب الإتّصالات المحليّة على أن يوفّر لزبائن المكتب خدمة اجراء اتصال دولي وقت حاجتهم وبأسعار أقل من المتداولة ثم تقسّم أرباحها بين صاحب المكتب والقرصان.
أمّا المرحلة الثانية من القرصنة، وهي الأكثر احترافيّة وربحاً، فظهرت في غزّة عام 2009، على يدّ الطالب (م.ش) 34عاماً حيث سافر لدراسة تكنولوجيا المعلومات في الجزائر، لكنه تورط في جرائم قرصنة عبر الإنترنت، فرّ منها بعد اكتشافه وملاحقته قانونياً، واضطرّ للعودة إلى مكان إقامته في مدينة رفح بجنوب قطاع غزّة وهو معروف لدى السكان المحليين لارتباط اسمه بالقرصنة والثراء الفاحش، وكان قد احترف قرصنة المكالمات الصوتية عبر الانترنت أثناء اقامته في الجزائر، بعد عودته اتخذ القرصنة كمهنة وبدأت تذرّ عليه أرباحاً خياليّة تصل إلى ملايين الدولارات، من خلال رصد خطوط الاتصالات الصوتية عبر الإنترنت، وتحويل مسارها نحو لوحة برمجيّة خاصّة يمتلكها، ليعاود بيعها إلى حسابه الخاص وتسويقها بواسطة الإنترنت بسعر أقلّ من سعرها العالميّ. هذه هي الرواية الّتي ردّدتها غالبيّة القراصنة، الّتي قابلهم "المونيتور" في مدينة رفح، والّتي تعتبر بؤرة القرصنة الأكثر نشاطاً في قطاع غزّة.
لقد أصبحت أرقام الـIP المهنة الأكثر شيوعاً وربحاً، تنتشر بطريقة سريّة وواسعة بين العاطلين عن العمل. .وفي هذا السّياق، قال لـ"المونيتور"الشاب محمّد حسن، وهو اسمه الوهميّ، 25 عاماً، وتخرّج من كليّة تكنولوجيا المعلومات – الجامعة الاسلامية بغزة: "أعمل حاليّاً كمطوّر لبعض برامج الهاك وبعض أدوات البرمجة الّتي يمكنها أن تسهّل عمليّة تجريب الأرقام المملّة الّتي نستخدمها للوصول إلى عناوين، لم أعد أفضّل العمل في قرصنة المكالمات بشكل مباشر، إنّما أعمل على تطوير برامج تسهّل عملية القرصنة، ثمّ بيعها للقراصنة في غزّة. أمّا عن أسعار البرامج المسهلة لعملية القرصنة فتختلف بين زبون وآخر حسب قدرته وطبيعة البرنامج".
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.