لم يكن التّفجير الانتحاريّ المزدوج الذي استهدف مقهى في مدينة جبل محسن العلويّة السبت في 10 كانون الثاني 2015 مجرّد حلقة عاديّة في سلسلة التّفجيرات الّتي استهدفت منطقتي الشمال والبقاع اللبنانيّ في الفترة الأخيرة. وتكمن أهميّة الحدث في من خطّط للجريمة ومن نفّذها، وأيضاً في ما تحمله من أبعاد، وهي في حدّ ذاتها مؤشّر إلى بروز خطر داعش على الساحة اللبنانيّة. فهل يكون هذا الحدث مقدّمة لعمليّة عسكرية على نطاق أوسع، كثر الكلام عنها في الفترة الأخيرة؟ ليس فقط في وسائل الإعلام إنّما أيضاً في تصاريح رسميّين لبنانيّين، وفي مقدّمهم وزير الداخليّة اللبنانيّ وكلامه عن "مربّع موت جديد لـداعش يمتدّ بين جرود عرسال اللبنانيّة ومخيّم عين الحلوة الفلسطينيّ (جنوب لبنان) وسجن رومية (شرق بيروت) ويمتدّ إلى العراق والرقّة."
شابان لبنانيّان قاما بالعمليّة الانتحاريّة، وهما: طه سمير الخيّال (1996) وبلال محمّد المرعيان (1986). والملفت في السيرة الذاتيّة لكلّ منهما ألاّ سابقة لهما في الإنتماء الحزبيّ أو الإلتزام الدينيّ، فهما شخصان عاديّان، على عكس شبّان آخرين نفّذوا قبل فترة عمليّات انتحاريّة في سوريا والعراق، وكانا معروفين إلى حدّ كبير بين أبناء المنطقة، فوحدها حال الفقر هي العلامة الفارقة والنّقطة الجامعة بين الخيّال والمرعيان. صحيح أنّها ليست المرّة الأولى الذي يقوم لبنانيّ بعمليّة انتحاريّة، لقد سبق ذلك حادثة تفجير السفارة الإيرانيّة في بيروت في 19 تشرين الثاني عام 2013، وكانت العمليّة الأولى الّتي يقوم بها لبنانيّ، ولكنّها المرّة الأولى الّتي يستعمل فيها انتحاريّ لبنانيّ حزاماً ناسفاً لا سيّارة مفخّخة.
"إنّ السيّارات المفخّخة لم تعد خياراً سهلاً لدى الانتحاريّين"، هذا ما قاله مصدر أمنيّ لـ"المونيتور"، وأضاف: "خصوصاً بعد التّدابير الّتي اتّخذها الجيش اللبنانيّ لجهة ضبط الرّقابة على مناطق حدوديّة مع سوريا كانت تستعملها المنظّمات المناوئة لنظام الأسد وحليفه حزب الله من أجل تمرير سيّارات مفخّخة". وفي السياق عينه، تابع المصدر: "تمّ اختيار جبل محسن لأنّه يمثّل من حيث رمزيّته العلويّة النّظام السوريّ، ولكونه أيضاً "هدف سهل"، بعكس الضاحية الجنوبية لبيروت عرين حزب الله، بعد التّدابير الأمنيّة الفائقة الّتي اتّخذها هذا الأخير وتلت سلسلة الانفجارات التي طالتها بين نيسان 2013 وشباط 2014".
وأشار المصدر إلى أنّ "ما يثير القلق استعمال الانتحاريّين السلاح النّاسف"، وقال: "هذا يضع لبنان بأسره في دائرة الخطر، ويجعل من أيّ منطقة لبنانيّة هدفاً سهلاً لهذا النّوع من العمليّات". ولا يخفي المصدر خوفه على بعض المناطق المحايدة، الّتي كانت حتّى الآن محيَدة عن الصراع كالمناطق المسيحيّة مثلاً، وذلك إمّا في محاولة لزعزعة التّحالفات القائمة على الساحة اللبنانيّة أو على خلفيّة أحداث العاصمة الفرنسيّة، الّتي فجّرت صراعاً بين منظّمات تكفيريّة وغرب "صليبيّ كافر". ولا يقلّل المصدر من أهميّة عنصر آخر داخليّ لهذه المنظّمات والمتمثّل بـ"المزايدات القائمة بين القادة التكفيريّين أنفسهم لتنظيم عمليّات من هذا القبيل أو تبنّيها. كما أنّ القدرة على القيام بأعمال انتحاريّة خارج الحدود وفي العمق الغربيّ يشكّل عنصر قوّة ومشروعيّة لهؤلاء".
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.