يستمرّ "الانقلاب الأبيض" في السعوديّة، وتستمرّ خطواته التمهيديّة تدريجياً. غير أن وتيرتها المتسارعة في الأسابيع الماضية باتت توحي وكأن الخطوة الكبرى، خطوة التتويج وانتقال السلطة بشكل رسمي ونهائي، باتت وشيكة.
لا يمكن لأي مراقب إلا أن يتوقّف كمثل على ذلك، عند هذا التبديل المتكرّر في منصب واحد معبّر، هو منصب نائب وزير الدفاع في المملكة. فقبل عام ونيّف كان قد عيّن في هذا المنصب خالد بن سلطان، ابن وليّ العهد الراحل. لكن بعد وفاة والده، ووصول عمه نايف إلى مركز وليّ العهد، صدر في 20 نيسان/أبريل 2013 قرار قضى بإقالة خالد وتعيين فهد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن آل سعود. لكن الأمر لم يستقرّ على هذه الحالة إلا لأشهر قليلة. ففي السادس من آب/أغسطس 2013 أقيل فهد وعيّن سلمان بن سلطان مكانه. غير أن ابن سلطان الآخر لم يكن حظه في نيابة وزارة الدفاع أفضل من حظ شقيقه خالد. إذ لم يستمرّ في موقعه أكثر من تسعة أشهر. ففي 14 أيار/مايو 2014 أقيل من منصبه، ودائماً "بناءً على طلبه" وفق الصيغة التي تعتمدها قرارات الملك دائماً، وتم تعيين الأمير خالد بن بندر بن عبد العزيز مكانه.
أربعة أشخاص إذاً تناوبوا على مركز واحد في غضون عام وشهر. ليس الأمر عادياً، ولا عرضياً أو مصادفة. إنه مجرّد مؤشّر إلى تسارع عمليّة نقل الخلافة في السعوديّة، والتي شهدت في 27 آذار/مارس الماضي خطوة أساسيّة في تحديد مسارها مع تعيين الأمير مقرن ولياً لوليّ العهد. أي الملك المقبل بعد وفاة أو "تنحي" شقيقَيه الملك الحالي عبدالله ووليّ عهده الراهن سلمان. لكن الواضح أن هذا التسارع بات يرتكز على ثابتتَين اثنتَين مع الانتقال إلى الجيل الثاني من أبناء المؤسس عبد العزيز: أولاً إبعاد أبناء الملوك وأولياء العهد السابقين، وخصوصاً السديريّين منهم (راجع مقالاً سابقاً لـ "المونيتور" حول هؤلاء). وثانياً تركيز مواقع القوة والنفوذ في أيدي أبناء الملك الحالي عبدالله والقريبين منهم. وهو ما يتمّ بشكل بطيء وتدريجي، وأحياناً بقدر كبير من التكتيك والمناورة. وهذا ما يفسّر تماماً تغيير أربعة أمراء في موقع دقيق واحد، مثل نائب وزير الدفاع. فهذا المنصب الذي كان حكراً على السديريّين منذ تولي سلطان مسؤوليّة الوزارة طيلة نصف قرن، لم يكن سهلاً انتزاعه منهم بخطوة واحدة، ما اقتضى تنفيذه على أربع مراحل.فتمّ نقله ضمنهم، أو بين الأخوة، أو بين قريبين منهم، حتى صار نقله إلى سواهم قابلاً للتحقيق. هكذا بدأ التبديل من ابن سلطان خالد إلى فهد القريب منه. ثم من فهد إلى شقيق خالد. حتى جاء مقرن وبدأ تسريع الانتقال. فطار المركز من السديريّين وكذلك من القريبين منهم، وعيّن خالد بن بندر (وهو غير بندر بن سلطان) القريب من أبناء الملك الحالي. والأهم أن انتزاع الموقع من هؤلاء ترافق مع سلسلة تعيينات شملت كل المواقع العسكريّة، في رئاسة أركان القوات المسلحة وقيادة القوات الجويّة والبحريّة بعدما كان التغيير قد طاول القوات البريّة قبل أسابيع. ما يعني فعلياً أن "انقلاباً عسكرياً" كاملاً قد نفّذ في وزارة الدفاع، بشكل سلمي. وبالتالي، لم يعد وليّ العهد الحالي سلمان، إلا وزيراً شكلياً وصورياً للدفاع.
يمكن لجردة سريعة بالتعيينات الأخيرة في المملكة أن تظهر ذلك: "مطاردة" واضحة لأبناء الملكَين الراحلَين فيصل وفهد ووليّ العهد الراحل سلطان ووليّ العهد الحالي سلمان. ابن سلطان الأكثر شهرة ونفوذاً، بندر، أُبعد من الاستخبارات في 15 نيسان/أبريل الماضي ليحلّ محله عسكري من غير الأمراء (يوسف بن علي الإدريسي). ما يجعله مجرّد موظف، لا شريكاً في السلطة كما الأمير. شقيقه خالد أقيل من نيابة وزارة الدفاع وتُرك بلا موقع تنفيذي. شقيقه الثاني سلمان أبعد من المجلس الأمن الوطني للشؤون الأمنيّة والاستخباراتيّة ثم من وزارة الدفاع وترك بلا منصب. شقيقهم الآخر فيصل نقل أميراً على المنطقة المنوّرة، وهو مركز ثانوي مقارنة بحلقة السلطة الفعليّة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.