لطالما قيل وكتب في الأبحاث الجنائيّة النظريّة أن الأهداف الحقيقيّة لأي عمليّة إرهابيّة لا تتمثّل في الذين يسقطون بنتيجتها، بل في الذين لا يسقطون من جرائها. بمعنى أن الضحايا الفعلّيّين للإرهاب ليسوا القتلى الذين يموتون بنتيجته، بل الأحياء الذين ينجون منه وخصوصاً الأحياء الذين لا يكونون ضمن الإطار الميداني للعمليّة الإرهابيّة. وهذا ما يفسّر تسمية عمليات كهذه باسم "إرهاب". فالكلمة تعني لغوياً ومفهومياً، لا أن تقتل بل أن "تُرهب"، أي أن تُخيف وتُرعب وتثير الذعر. وهذه الأفعال لا يمكن أن يعيشها القتيل، بل الحيّ. لذلك تقول النظريّة إن الإرهاب يستخدم أجساد قتلاه كوسيلة ليضرب عقول الأحياء ونفسياتهم كأهداف نهائيّة للإرهاب.
عمليّة التفجير التي استهدفت مقرّ السفارة الإيرانيّة في بيروت قبل أيام، في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2013، تشكّل بهذا المعنى درساً مفصلاً كاملاً حول كيفيّة تطبيق مبدأ الإرهاب.
أولاً، تمّ تنفيذ العمليّة بواسطة انتحاريَّين. أي بواسطة أكثر وسائل الإرهاب قدرة على الترهيب. فالتفجير في حدّ ذاته يصيب أكبر عدد من الضحايا، ما يجعل نطاق رعبه هو الأكبر. أما أن يكون بواسطة انتحاري، فهذا يعني توجيه الرسالة إلى كلّ الناس أي إلى الضحايا الفعليّين للعمليّة وأهدافها الحقيقيّين، ومفادها أنهم عاجزون عن تجنّب موتهم وليس لديهم إمكانيّة لردعه ولا طريقة إطلاقاً للحؤول دونه. فبين الرصاص أو التفجير الموضعي الذي يستهدف شخصاً وبين التفجير الكبير المتحكّم به عن بعد، يظلّ ثابتاً أن التفجير الانتحاري هو الصيغة الأكثر إرهاباً بهذا المعنى، وهذا ما حصل ذلك اليوم في بيروت. وهو ما يحمل الرسالة الإرهابيّة الأولى للضحايا الأحياء: حين نقرّر أن نضرب، لا وسيلة ولا طريقة ولا أي إجراء قد تقومون به يمكنه منعنا. فقتلنا لكم مسألة حتميّة، وهذا ما يجب أن تعيشوه كلّ يوم وأنتم أحياء!
ثانياً، تمّ تنفيذ العمليّة ضدّ مقرّ السفارة الإيرانيّة مباشرة. ففي الصراع الدائر في المنطقة ولبنان بين محورَين سياسيَّين ومذهبيَّين، تشكّل طهران عنواناً أساسياً من عناوين المعركة في السياسة كما في الانتماء الشيعي. وفي السياق نفسه، يعتبر أعداؤها أنها هي الرئيسة الفعليّة لهذا المحور السياسي المذهبي، الممتدّ من طهران إلى ضاحية بيروت الجنوبيّة مروراً طبعاً ببغداد ودمشق. وبهذا المعنى يكون استهداف السفارة الإيرانيّة في بيروت، استهدافاً لما يعتقده الفريق الآخر رأس القيادة والهرم والقرار. وهو ما يحمل الرسالة الإرهابيّة الثانية: إذا كنا قادرين بشكل محتوم على ضرب الرأس، فهذا يعني أننا قادرون بالشكل المحتوم نفسه على ضرب أي مستوى آخر وأي مسؤول أو مرؤوس أو عنصر أو شخص. وهذا ما يجب أن يفهمه كلّ واحد من هؤلاء في كلّ لحظة من حياته المعرّضة لإرهابنا. إشارة أخيرة في هذا المجال، إلى أن التفجير حصل قبل لحظات من مغادرة السفير الإيراني مع المستشار الثقافي السفارة لارتباطهما بموعد في خارجها. وفيما تأخّر السفير ثواني قليلة، كان المستشار ينتظره في سيارته، ما أدّى إلى مقتله. وهو ما يطرح استفهامات أخرى: هل كان الإرهابيّون على علم بجدول تنقّل السفير؟ وهل كانوا يستهدفون السفارة واغتياله في الوقت نفسه؟ عندها تصير الرسالة الإرهابيّة أكثر خطورة، نتيجة تمتّعها بقدرة على الخرق الأمني وجمع المعلومات الأكثر سريّة ودقّة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.