للعلاقات ما بين العراق وسوريا تاريخ مضطرب يحوي الكثير من التناقضات. فالعلاقة بين البلدَين كانت متوتّرة في معظم تاريخهما المعاصر، وفي الوقت نفسه هما بلدان متشابهان ومتقاربان إلى حدّ أن مشاريع تحويهلما إلى كيان واحد لم تنقطع منذ تأسيس الدولة ما بعد-الكولونياليّة في المشرق العربي. وكان أوّل ملك في العراق بعد الانفصال عن الدولة العثمانيّة، هو ذاته أوّل ملك يُنَصّب على سوريا. لكن خضوع كل واحد من البلدَين لانتداب دولة مختلفة (بريطانيا للعراق وفرنسا لسوريا) حال دون أن يحكمهما الملك فيصل في الوقت نفسه. غير أن فشل حزب البعث في توحيدهما، وهو الذي حكم البلدَين في الوقت عينه والذي قامت أيديولوجيّته السياسية على فكرة الوحدة العربيّة، يعكس إلى درجة كبيرة تلك العلاقة الفريدة من التشابه والتنافر الشديدَين في الوقت نفسه. وتأتي دعوة السياسي العراقي أحمد الجلبي مؤخراً إلى تأسيس كيان كونفيدرالي يجمع البلدَين، على الرغم من جنوحها في الخيال، إلّا أنها تمثّل امتداداً لفكر سياسي ظلّ طويلاً يرى في جغرافيا "سايكس-بيكو" التي رسمت حدود البلدَين مشكلة يصعب التعايش معها.
واذا كانت تلك الدعوة تفتقر إلى الجديّة، فالمفارقة الأكبر هي أن تنظيم "الدولة الاسلاميّة في العراق والشام" صار أوّل تنظيم سياسي-عسكري يتعامل مع الدولتَين كوحدة سياسيّة.
إن جزءاً مهماً من الميثولوجيا الدينيّة والانقسام الطائفي في المنطقة، ابتُنِي على الصراع التاريخي في القرن السابع ميلادي ما بين جيش علي بن أبي طالب الخليفة الإسلامي الرابع ومقرّه في العراق-الكوفة، وبين جيش معاوية بن أبي سفيان مؤسّس الدولة الأمويّة الذي جعل من دمشق مقراً له. والتعبئة الطائفيّة في البلدَين اليوم، تقوم بجزء كبير منها على التمثّل بالصراعات والشخصيات التاريخيّة وإعادة روايتها بطريقة تخدم أطراف الصراع في مواجهتهم الراهنة.
غير أن الأمر يتجاوز الميثولوجيا ليبلغ الحقائق على الأرض. ففي وقت يتحدّث كثيرون عن ضرورة الحيلولة دون امتداد الحرب الأهليّة السوريّة إلى العراق، تجدر الإشارة إلى أن العلاقة بين أحداث البلدَين كانت قائمة حتى قبل اندلاع الاحتجاجات السوريّة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.