القول بأن العراق اليوم هو منطقة صراع إقليمي حاد ما بين إيران وخصومها، ليس أمراً جديداً. وقد برهنت أحداث المنطقة في الآونة الأخيرة أن أي بلد يشهد حالة عدم استقرار سياسي واجتماعي وضعف في سيطرة الدولة، قد يتعرّض إلى تنافس مماثل على النفوذ من قبل القوى الإقليميّة المستقرّة والغنيّة والتي تملك مشروعاً جيوسياسياً.
واليوم، يسجَّل ذلك في كلّ من لبنان وسوريا ومصر واليمن والبحرَين. ويمكن القول أن التنافس الإقليمي صار عاملاً معيقاً لعمليّة إعادة بناء الدولة والهويّة الوطنيّة. فبسبب هذا التنافس، تصبح الصراعات الداخليّة معقّدة لأنها تتحوّل إلى امتداد لصراع إقليمي أوسع يخوضه الأقوياء على الأراضي الرخوة للدول غير المستقرّة. إلى ذلك، فإن التحالفات السياسيّة والإيديولوجيّة والماليّة التي تتشكّل في ما بين القوى الإقليميّة ووكلائها المحليّين، تؤجّج الانقسام الداخلي. وفي بلد كالعراق حيث يأخذ هذا الانقسام شكلاً طائفياً، يصبح للصراع الإقليمي أثراً تمزيقياً وتدميرياً كبيراً.
لذلك، تحصل أكثر تعبيرات هذا الصراع عنفاً في البلدان التي يكون فيها التنافس على النفوذ أكثر شدّة، إما بسبب أهميّتها الإستراتيجيّة أو لعدم وجود قوّة مهيمنة حاسمة.. وهذا هو الحال تحديداً في العراق وسوريا ولبنان، التي تمثل معاً الجزء الأعظم من منطقة الهلال الخصيب. تدريجياً، أصبحت حالات التنافس الإقليميّة في هذه البلدان الثلاث مندمجة مع بعضها البعض في إطار صراع خارجي أوسع، قطباه الرئيسيّان إيران والسعوديّة. لذلك، يبدو من غير الممكن اليوم النظر إلى عدم الاستقرار في هذه البلدان كمجرّد نتيجة لغياب التوافق بين الجماعات الفرعيّة، فتلك الجماعات أصبحت وبشكل متزايد جماعات عابرة للحدود القوميّة. عندما نتحدّث عن التطييف المتصاعد في المنطقة، فإننا نعني بذلك عمليّة مستمرّة لصناعة هويّات طائفيّة بديلة عن الهويّة الوطنيّة التي أصبح من الصعب تخيّل وجودها كما كان عليه الحال قبل عقود عدّة.
من اللافت أيضاً أن نرى كيفيّة انعكاس تلك العمليّة على الصراع الداخلي، بحيث ينقسم المجتمع السياسي على تحديد من هم الأعداء ومن هم الأصدقاء. وإذا كان صحيحاً تعريف إرنست رينان للأمة باعتبارها "جماعة من الناس توحّدها كراهيّة مشتركة للجيران"، فإن مشكلة بلد مثل العراق اليوم تكمن في غياب هذه "الكراهيّة المشتركة" لعدوّ محدّد. وقد عكست جلسة مجلس النوّاب العراقي في 26 آب/أغسطس الجاري، هذه الحقيقة بشكل نموذجي. ففي تلك الجلسة طالب النائب حيدر الملا عن كتلة "العراقيّة" –التي تهيمن عليها القوى السنيّة–، بازالة صور زعيم الثورة الإسلامية الإيرانيّة الإمام الخميني والمرشد الأعلى علي خامنئي من شوارع بغداد.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.