أكثر من شهر مرّ على بدء اعتصام "رابعة العدويّة" الذي يقيمه أنصار الرئيس الإخواني المعزول محمّد مرسي. وعلى الرغم من نجاح الإخوان في استعادة صورة الضحيّة أمام الرأي العام العالمي، وتغذية الإعلام الغربي بفيروس نظريّة المؤامرة كتفسير للحركة الشعبيّة التي أطاحت بمرسي وأنهت حكم الإخوان، وهي الحرف التي أتقنوها على مدى عقود طويلة، إلا أن قيادات الإخوان بدأت تدرك أنها تخوض معركة خاسرة، ولا بدّ لهم من اللجوء إلى مهارة إخوانيّة أخرى عرفوا بها وهي القدرة على إبرام الصفقات، وذلك للخروج من هذا المأزق المصيري بأقل خسائر ممكنة ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مستقبل جماعة الإخوان المسلمين في مصر والعالم. وفي الوقت ذاته تخفي القيادات نفسها إحباطها من الهزيمة عن مؤيّديها، وترفع معنوياتهم وتمدّهم بشحنات عاطفيّة ملتهبة، لضمان استمرار الاعتصامات والمسيرات والتنغيص على السلطة الجديدة وتكدير حياة أهل البلاد، من أجل تحسين الموقف التفاوضي في الصفقة المأمولة.
في الريف المصري، تتّشح النساء بالسواد عموماً. واللون الأسود هو المناسب حتماً للذهاب إلى واجب العزاء في فقيد راحل، ولو كان الفقيد صغير السن لربما ساهمت الضيفة في البكاء والعويل كنوع من المجاملة.
عدد كيير من مؤيّدي مرسي في اعتصام رابعة العدويّة، يأتون من محافظات بعيدة، ولذلك هم شبه معزولين عن العالم الخارجي ولا تصلهم سوى الرسائل التي تنطلق من المنصّة والتي تتحدّث عن التأييد الإلهي والنصر القريب للإسلام، وعن العالم الذي يتحرّك لنصرتهم براً وبحراً، وعن مصر كلّها التي تنتفض تأييداً لهم وغضباً من قادة الجيش ومن يواليهم، وكذلك عن ظهور الأنبياء والرسل والملائكة والوحي في الاعتصام، وأنهم يبشّرونهم بقرب انكسار "الانقلاب" وعودة مرسي الخليفة المنتظر الذي سوف يقيم دولة الخلافة الإسلاميّة وصولاً إلى "أستاذيّة" العالم والهيمنة على الشرق والغرب واستعادة أمجاد الأندلس، طبقا للوعد الذي وضعه حسن البنا مؤسّس جماعة الإخوان. كثيرون من هؤلاء المؤيّدين لا يعلمون أن عشرات الملايين من المصريّين نزلوا لتفويض القائد العام للقوات المسلّحة المصريّة عبد الفتاح السيسي محاربة الإرهاب المحتمل، وأن شريحة واسعة من الشعب لم تعد تحتمل استمرار اعتصامهم وترى في وجود اعتصام مسلّح في عاصمة البلاد خطراً داهماً على الأمن القومي.
وقد شهد هذا الشهر تغيّرات وتقلبات في استراتيجيّة الإخوان في ما خصّ التعامل مع الوضع. ففي البداية حرصوا على جذب التيارات الإسلاميّة والسلفيّة والجهاديّة، وبالتالي امتلأ المكان بالأعلام والبيارق الإسلاميّة التي تشبه أعلام القاعدة، وصدحت المنصة بأصوات الغلاة من الجماعات الإسلاميّة التي هدّدت بقيام "ثورة إسلاميّة خالصة". ثم اتّضح فشل هذه الاستراتيجيّة ومحدوديّة مؤيّديها، عندما جاء مذيع قناة "الجزيرة" أحمد منصور وألقى عليهم درساً في الاستراتيجيّة التي يجب أن يتّبعوها. وخلاصتها أن عودة مرسي لا يجب أن تكون هي الواجهة أو العنوان لاحتجاجاتهم، بل يجب التركيز على أن ثورة يناير تتمّ سرقتها وأنه من الواجب إسقاط حكم العسكر ورفع أعلام مصريّة (بدلاً من أعلام القاعدة)، بالإضافة إلى كتابة رسائل للعالم باللغة الإنكليزيّة تطالب بالديمقراطيّة وتندّد بالانقلاب وتتساءل عن حقوق أصحاب الأصوات التي اختارت مرسي في الانتخابات. وراحت منصّة رابعة العدويّة للمرّة الأولى تذيع الأغاني الوطنيّة المصريّة لشادية والشيخ إمام بدلاً من الاقتصار على الأناشيد الدينيّة. ومهما كانت قدرة الإخوان المسلمين كبيرة على "التقيّة"، إلا أن الحفاظ على هذه الوجوه والأفكار المختلفة في اعتصام رابعة العدويّة في الوقت نفسه أمر في غاية الصعوبة. وكان من الحتمي أن تصل بعض رسائل التحريض المتطرّفة الموجّهة إلى المتشدّدين، إلى جمهور كان مخططاً أن تتمّ مخاطبته برسائل ترسم صورة وسطيّة معتدلة للإخوان واعتصامهم السلمي.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.