هنالك اتجاهان متصارعان في بنية الخلاف الطائفي الذي يزداد حدة في العراق . الاتجاه الأول متأثر بالاعتبارات السياسية الداخلية ويتعلق بفشل القوى الشيعية والسنية والكردية حتى الآن في تطوير صيغة للحكم وادارة الدولة تخفف الشعور بالتهميش او الاقصاء لدى بعض الاطراف ، ولا تقود الى تقسيم البلاد في نفس الوقت. اما الاتجاه الثاني ، فهو متأثر بالديناميات الاقليمية وتعبر عنه الجماعات الشيعية والسنية الأكثر طائفية ، وهو الذي يرى الصراع الراهن في العراق جزءا لايتجزأ من رقعة الصراع الأوسع في منطقة المشرق العربي والذي يراد له ان يتبلور بين معسكرين : معسكر سني تقوده او تدعمه قوى اقليمية سنية مثل تركيا وقطر والسعودية ، ومعسكر شيعي تقوده ايران.
ويمكن الاستنتاج انه كلما ازداد الخلاف حدة واستعصى الوصول الى حل عراقي داخلي ، كلما ازدادت قوة الجماعات الراديكالية وبالتالي تأثير خطابها الذي يميل الى تصوير الأمر على انه صراع كوني سني-شيعي لايعترف بالحدود القائمة ولايهتم بالفصل بين البيئات الداخلية .
تمثل القاعدة في العراق وجماعة جبهة النصرة في سوريا التعبيرين السنيين الاكثر وضوحا على وجود هذه الايديولوجية العابرة للحدود وعلى روابط تنظيمية بين الجماعات التي تعتنقها . الحرب التي تخوضها الجماعتان ليست حربا من أجل "نشر الديمقراطية" او تحقيق "العدالة الاجتماعية" او الوصول الى نظام سياسي يقوم على المشاركة الواسعة . هذه الحرب هي حرب الانتصار للاسلام بنسخته السلفية الجهادية ضد اعدائه ، وهم في هذه الحالة الحكومة التي يقودها الشيعة في العراق والنظام السوري الذي يسيطر عليه العلويين (الذين يطلق عليهم خطاب جبهة النصرة تسمية "النصيريين" كنوع من الازدراء والتحقير) . عدا هاتين الجماعتين ، هنالك جماعات لها وجود افتراضي مثل "تنسيقية شباب الثورة العراقية" (وكلمة تنسيقية انتشرت خلال الثورة السورية ولم تستعمل سابقا في العراق) ، ويركز خطابها على أهمية التضامن السني وعدم الثقة باي من الجماعات الشيعية بما فيها تلك المعارضة لرئيس الوزراء المالكي ، وتميل الى الحديث عن الشيعة وكأنهم تابعون تماما لايران ، ومن هنا يجري استخدام كلمة "صفوي" في الاشارة الى القوى الشيعية وافراد الجيش العراقي الذي يهيمن عليه المنتسبون الشيعة . وهذه الكلمة تحيل في الذاكرة السنية الى الدولة الايرانية – الصفوية التي كانت في حرب مع العثمانيين ، رغم ماينطوي عليه هذا الاستخدام من تبسيط تاريخي شديد.
على الجانب الشيعي تبرز جماعة مثل "حزب الله – العراق" التي شكلت ما أسمته بـ "جيش المختار" ، وهي ايضا تسمية ترتبط بالسردية التاريخية الشيعية . وتتبنى الجماعة ايديولوجية طائفية صريحة في نقدها للمعارضة السنية والتحذير من محاولة السنة انتزاع الحكم مجددا في العراق ، كما لاتخفي في خطاباتها تعاطفها مع النظام السوري في مواجهته مع المعارضة السورية التي توصف بانها طائفية بكل فصائلها . وتتجاوز هذه الجماعة موقف رئيس الوزراء نوري المالكي في نقدها وتخوينها للمعارضين السنة الى حد ان أمين عام حزب الله العراقي، واثق البطاط ، حذر المالكي من موقفه اللين ورضوخه لبعض مطالب المتظاهرين وطلب منه ان يستعد للعقاب!! . وهنالك صفحة الكترونية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك تحمل اسم "كتائب المختار" وتتصدرها صورة البطاط . وقد اتهمت الجماعة بتوزيع منشورات في بعض مناطق بغداد السنية تطالب السكان السنة بالرحيل. هنالك ايضا تشكيل عسكري يتواجد في دمشق ويحمل اسم "لواء ابو الفضل العباس " – نسبة الى العباس ابن علي بن ابي طالب الذي يعد احد اهم الرموز القتالية الشيعية- ، ويفترض ان هذا اللواء يتولى مهمة حماية مرقد السيدة زينب الشيعي في دمشق والذي تعرض لهجمات من الجماعات السلفية السورية. واللواء في تركيبته التي تضم عراقيين ولبنانيين وايرانيين يعبر بشكل واضح عن هذه العقيدة الطائفية العابرة للحدود وعن طبيعة تفسيرها للصراع الجاري في البلدين .
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.