بعد أكثر من أربعة أشهر على عقده في 10كانون الأول 2012، وافقت وزارة الداخلية اللبنانية في 25 نيسان الجاري على تسجيل أول عقد زواج مدني "صُنع في لبنان". المسألة لم تنته هنا بالنسبة إلى بعض المسؤولين الدينيين، خصوصاً من الطائفة السنية. كما أنها لم تنته هنا بالنسبة إلى الناشطين دفاعاً عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني اللبناني. إنها خطوة قد يحفظها تاريخ النظام السياسي والقانوني والدستوري في لبنان، كما سيحفظ اسمي القائمين بها: خلود سكرية ونضال درويش.
للمرة الأولى إذن منذ وضع الانتادب القرنسي سنة 1936 القوانين المذهبية للأحوال الشخصية في لبنان (راجع مقال آلمونيتور حول الموضوع في 30 كانون الثاني الماضي)، تمكن مواطنان لبنانيان من أن يعقدا على الأراضي اللبنانية زواجهما بشكل مدني، من دون أن يضطرا إلى اللجوء إلى مرجعية دينية ما، من أصل 18 مرجعية موزعة على 18 طائفة دينية معترف بها قانوناً.
لم تكن مصادفة أصلاً أن يوقع خلود ونضال عقد زواجهما، لدى الكاتب العدل، في 10 كانون الأول. فهما قصدا أن يكون تاريخه متطابقاً مع ذكرى توقيع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948. ومنذ أربعة أشهر ونيف، بدأ الاثنان ومعهما كثيرون من ناشطي المجتمع المدني وحقوق الإنسان في لبنان، معركة شرسة في مواجهة "الدينيين".مواجهة بلغت حدها الأقصى في 28 كانون الثاني الماضي، حين اجتمع رجال الدين السنة في لبنان في مقر مرجعيتهم الرسمية، دار الإفتاء، برئاسة مفتي السنة الشيخ محمد قباني، والذي أصدر عقب الاجتماع "فتوى" تقول "أن كل من يوافق من المسؤولين المسلمين في السلطة التشريعية والتنفيذية في لبنان، على تشريع وتقنين الزواج المدني، هو مرتدّ وخارج عن دين الإسلام، ولا يغسّل ولا يكفّن ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ويحمل أوزار كل الذين يدخلون في هذه العلاقة غير المشروعة من أبناء وبنات المسلمين إلى يوم القيامة". والفتوى باعتبار أحد المسلمين "مرتداً عن الإسلام" لها مفاعيل عملية أكثر خطورة في بعض المجتمعات الإسلامية. إذ تعتبر "إهداراً لدم المرتد"، أو حكماً بقتله، وفق الشريعة الإسلامية التي تعاقب الخارج عن الإسلام بالموت. ومع ذلك استمرت خلود و"زوجها" نضال في نضالهما. يواكبهما مجتمع مدني ناشط وضاغط.
الانتصار الأول لمعركتهما الإنسانية والحقوقية المدنية، تحقق في 3 نيسان، يوم أصدرت "الهيئة الاستشارية العليا في وزارة العدل" اللبنانية مطالعة تؤكد فيها أن لا عائق في القانون اللبناني يحول دون تسجيل عقد زواج خلود ونضال. وذلك بعدما تذرعت وزارة الداخلية المولجة أمر تسجيل العقد قانونياً، بأن لا قانون مدنياً للأحوال الشخصية في لبنان. وبالتالي فإن تسجيل عقد الزواج المذكور يطرح إشكالية قانونية لجهة أي قانون سيرعى شؤون عائلة خلود ونضال، لناحية الإرث والتبني والطلاق وغيرها من مسائل ينظمها عادة قانون الأحوال الشخصية. لكن الهيئة القانونية الأعلى في وزارة العدل ردت بأنه من المعروف في لبنان أن أي زواج مدني يعقده لبنانيان في أي دولة في العالم، تقبل السلطات اللبنانية تسجيله رسمياً. وأن العرف قضى بأن تتعامل معه المحاكم العدلية المدنية في لبنان، وأن تطبق على المعنيين به القانون المدني للدولة التي عُقد على أراضيها. هكذا ومنذ عشرات السنين، يعقد اللبنانيون زيجات مدنية في قبرص أو في فرنسا أو في اي مكان آخر، ثم يسجلون عقودهم لدى السلطات اللبنانية. وعند أي نزاع عائلي يذهب المعنيون إلى محكمة عدلية لبنانية، تنظر في النزاع استناداً إلى القانون الفرنسي أو القبرصي أو سواه للأحوال الشخصية. وبناء عليه اعتبرت الهيئة الاستشارية العليا في وزارة العدل، أنه يكفي لخلود ونضال أن يحددا في عقد زواجهما الموقع أمام الكاتب العدل في لبنان، أي قانون مدني للأحوال الشخصية من أي دولة في العالم، يريدان أن يسري على زواجهما. بعدها لا يعود لدى وزارة الداخلية اللبنانية أي عائق قانوني يحول دون تسجيله.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.