المشهد الثقافي في العراق ملتبس هو الآخر. فالواقع العراقي يعاني مظاهر التخلف والفساد الإداري والطائفية والتراجع العلمي، وهذا دليل غياب الدور الثقافي الفاعل. والثقافة العراقية ذاتها تعاني الأزمات التي افقدتها قدرتها على التأثير والتغيير. ويغيب صوت المثقف وسط دوامة العنف ويتحول أحياناً الى ضحية. وأمام هذا الواقع ترى وزارة الثقافة أنها تقوم بما عليها من واجبات وتواصل تنفيذ مشاريعها وفق الخطط المرسومة. وفي معرض تعليقه على هذا الواقع يحيل الوكيل الأقدم لوزارة الثقافة طاهر الحمود الجزء الاكبر من المسؤولية عن تدهور الوضع الثقافي العراقي على المثقفين العراقيين أنفسهم وعلى المشكلات الإدارية التي ورثتها الوزارة من عهد نظام صدام حسين. فيما يرى مثقفون عراقيون أن وزارتهم لا تقدم حلولاً بل هي ذاتها جزء من المشكلة.
ولعل ادارة وزير واحد لوزارتي الثقافة والدفاع في الوقت ذاته، هو احد مظاهر الالتباس هذا. وكان هذا مثار استغراب العراقيين الذين يرون ان الحكومة تستكثر على الثقافة ان يكون لها وزير بصلاحيات كاملة، فيما تستهين بشؤون الدفاع حين توليها شخصاً غير متفرغ. وإلى هذا السبب يعزون تراجع الأداء في الوزارتين معا.
أحد المشاريع التي تواصل وزارة الثقافة العمل عليها بشكل دؤوب هو مشروع بيوت وقصور الثقافة. وهي مراكز ثقافية يتواصل بناؤها في محافظات العراق. ويشتمل القصر الثقافي، الذي يبنى على مساحة لا تقل عن 3000 متر مربع، على مسرح وصالة سينما واخرى للفنون التشكيلية والأزياء والأعمال الحرفية، فيما يشتمل البيت الثقافي على مرافق مشابهة أقل سعة. وفي حوار هاتفي مع المونيتور في الثالث عشر من ايلول/سبتمبر الجاري، تحدث من بغداد عقيل المندلاوي مدير دائرة العلاقات الثقافية في وزارة الثقافة عن المشروع قائلا أن " الحد الأدنى لكلفة القصر الواحد هي إثنا عشر مليون دولار وتزداد هذه الكلفة بازدياد مساحة القصر. ومنذ عام 2005 والى الآن، تم إنجاز 49 قصراً وبيتاً في المحافظات، فيما يتواصل العمل على انشاء ثلاثة عشر قصراً جديداً". ورغم الكلفة العالية للمشروع، فإن المندلاوي يؤكد على ضرورة استمراره قائلا: "أين يقيم المثقفون ندواتهم؟ وأين يعرضون مسرحياتهم؟ وأين يعرض الفنان لوحاته؟ بدون هذه الاماكن لا يوجد نشاط ثقافي فاعل، ولهذا فإن الوزارة تواصل مشروعها حتى تغطي كامل التراب العراقي".
وبالمقابل يرى مثقفون عراقيون، إن حاجتهم تختلف عما تذهب اليه وزارتهم. ويرى هؤلاء ان الثقافة العراقية تخوض الآن حرباً ضد قوى التطرف والظلام، وان الاولوية هي لحماية الثقافة والمثقف من تهديد القوى المعادية للثقافة. وهذا التباين في وجهات النظر يدلل على عمق الهوة بين رؤية الوزارة لواقع الثقافة وأولوياتها ورؤية المثقفين لذلك الواقع.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.