محلّات ذهب متراصّة بعضها في جوار بعض، ترى بريقها منذ أن تطأ قدماك الشارع، تتخلّلها حارات ضيّقة تنفذ كلّ منها على الأخرى، تعلوها بنايات رماديّة اللون بشرفات حديديّة قديمة تظهر عليها آثار الزمن وبصمات التاريخ، تحمل كلّ منها حكاية، تمتلئ بالرائحين والغادين، إنّها شارع فرنسا المشهور بسوق الذهب، والذي لا يلبث يوماً حتّى تتصدّع بناياته بأصوات الزغاريد تعلو في داخله.
واختلفت الروايات حول تاريخ شارع فرنسا الممتدّ من ميدان التحرير في المنشيّة وحتّى حيّ الجمرك في بحري، على الرغم من اتّفاقها على تسميّته بهذا الاسم، والتي تعود إلى فترة الحملة الفرنسيّة، حيث كان هذا الشارع إسطبلاً لخيل الجنود الفرنسيّين، لذا سمّي الشارع الرئيسيّ بهذا الاسم. عن تاريخ الشارع، يقول محمّد صديق، أحد بائعي الصاغة، وهو رجل سبعينيّ في حديثه إلى "المونيتور": "أسكن هنا في حيّ المنشيّة منذ ولادتي، وبعد زواجي، وأعمل في ذلك الشارع منذ صغري مع والدي الذى كان لديه حينها محلّ صغير يسمّى "بزار" يبيع الفضّيّات".
ويكمل صديق: "كان الحيّ حينها عبارة عن بازارات صغيرة متراصّة في جوار بعضها البعض تتخلّلها مساجد صغيرة وبيوت قصيرة، يملكها الشوام واليونانيّون والمغاربة واليهود، وعندما كنت آتي إلى البزار مع والدي، كنت ألعب مع أولاد الحيّ، الذين كان بعضهم من المغاربة والليبيّين، وكان قليلون منهم من اليهود".
وعن تأسيس ذلك السوق، يقول صديق: "إنّ تلك المنطقة كانت تسمّى بـ"المدينة التركيّة" أو "الحيّ التركيّ"، وقد تأسّست في بداية القرن السابع عشر، وقد أطلق هذا الاسم على حيّ المنشيّة، حيث تشكّلت بناياته بتأثيرات تركيّة، فكانت مليئة بالبزارات والمساجد الصغيرة المتداخلة مع بعضها البعض في ممرّات ضيّقة، لتأتي الحملة الفرنسيّة في أوائل القرن الثامن عشر، التي اتّخذت من المنشيّة وبحري مستقرّاً لها بخيولها وأسلحتها وعتادها، وقد نسب منذ ذلك الوقت الشارع إليها".
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.