تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

غياب فحص النسب في غزّة يجعل من أزمة مجهولي النسب أكثر تعقيداً

في ثلاث حالات منفصلة، عثر مواطنون في قطاع غزّة في 27 كانون الثاني/يناير ويومي 4 و20 من شهر شباط/فبراير من هذا العام على ثلاث رضّع متروكين في شوارع، في وسط مدينة غزّة وشمالها لم تعرف عائلاتهم. وعثر في نهاية العام الماضي على طفل آخر ملقى وسط أشجار الزيتون في منطقة بعيدة عن المواطنين في وسط قطاع غزّة، وهي حالات فتحت باب التساؤلات عن أسباب هذا الأمر.
A Palestinian woman holds her grandchild as she sits at the entrance of her house to escape the heat during a power cut at Shatti (beach) refugee camp in Gaza City September 15, 2015. Power has been provided to different areas in the impoverished coastal territory in six-hour shifts as Gaza's lone power plant shut its generators on Saturday due to a fuel shortage, energy officials said. Electricity is also supplied to the Gaza grid through power lines from Israel and Egypt. Gaza's plant provides electricity

مدينة غزّة، قطاع غزّة - في ثلاث حالات منفصلة، عثر مواطنون في قطاع غزّة في 27 كانون الثاني/يناير ويومي 4 و20 من شهر شباط/فبراير من هذا العام على ثلاث رضّع متروكين في شوارع، في وسط مدينة غزّة وشمالها لم تعرف عائلاتهم. وعثر في نهاية العام الماضي على طفل آخر ملقى وسط أشجار الزيتون في منطقة بعيدة عن المواطنين في وسط قطاع غزّة، وهي حالات فتحت باب التساؤلات عن أسباب هذا الأمر.

قال مدير جمعيّة مبرّة الرحمة للأطفال الوحيدة المتخصّصة في رعاية الأطفال مجهولي النسب في غزّة واحتضانهم مؤمن بركات لـ"المونيتور" إنّ الشرطة الفلسطينيّة أرسلت إليهم طفلين مجهولي النسب هذا العام، أحدهما تمّ العثور عليه أمام معهد الأمل للأيتام وسط مدينة غزّة والثاني أمام مسجد في شمال المدينة.

وتابع: "بعد إرسال الرضيعين اللذين عثر عليهما أخيراً إلى المبرّة، بات فيها 15 مجهول نسب حاليّاً، وتُقدّم الجمعيّة الخدمات كافّة إليهم كالرعاية الصحيّة الجسديّة والنفسيّة، والتعليم حتّى يصبحون قادرين على الاعتناء بأنفسهم بعد إتمامهم التعليم الجامعيّ، إذ أن الجمعية تقوم بتنسيبهم في المدارس الحكومية، وفي كذلك في الجامعات اذا رغبوا بإكمال دراسته الجامعية من خلال التبرعات التي تتحصّل عليها من مؤسسات خيرية فلسطينية وعربية ودولية، وتقوم على رعايتهم مربّيات كالأمّهات".

وكان مواطنون من غزّة عثروا في 27 كانون الثاني/يناير على طفل رضيع ملقى ليلاً أمام معهد الأمل لرعاية الأيتام يبلغ أيّاماً من العمر فقط، ملفوفاً بعدد من الأغطية، من دون أن يجد المارّة معه أيّ أوراق أو متعلّقات شخصيّة.

وكذلك، عثر مواطنون في 4 شباط/فبراير على طفل رضيع آخر ملقى أمام مسجد في شمال قطاع غزّة، أثناء مغادرتهم الجامع فجراً لأداء صلاة الفجر. وقالت الشرطة الفلسطينيّة إنّها أرسلت الطفلين إلى جمعيّة مبرّة الرحمة للأطفال.

ولفت بركات إلى أنّ المبرّة التي تأسّست في عام 1993 لرعاية 12 طفلاً من مجهولي النسب كانوا يعيشون في مستشفيات القطاع آنذاك، إذ لم تكن هناك دور أو جمعيّات للعناية بالأطفال مجهولي النسب من قبل، مضيفاً: "كانت تصلنا في عهد الاحتلال الإسرائيليّ لغزّة، أي قبل انسحابه في عام 2005 بين 11 و12 طفلاً مجهولي النسب سنويّاً، ولكن بعد الانسحاب تقلّص العدد تدريجيّاً، ووصلتنا في العام الماضي حالة واحدة، وهذا العام حالتان، نظرا إلى أن الرقابة الاجتماعية باتت في تزايد والتي لم يكن يهتم بها الاحتلال الاسرائيلي".

لم يسبق أن عاد أحد من مجهولي النسب الذين أرسلتهم الشرطة إلى المبرّة إلى عائلته، بسبب عدم توافر فحص النسب المعروف بـ"الدي أن إيه"، وفق بركات الذي قال إنّ المطالبة بوجود هذا الفحص يرجع إلى جهّات الاختصاص من الحكومة، كالشرطة مثلاً، لأنّ البحث عن المشتبه بهم من الآباء لهؤلاء الأطفال من اختصاص الشرطة، وليس جمعيّة مبرّة الرحمة للأطفال التي تعتبر جهّة احتضان ورعاية فقط.

لم يجزم مدير جمعيّة مبرّة الرحمة للأطفال أنّ سبب إلقاء الأطفال الرضّع في الشارع هو وجودهم نتيجة علاقات غير شرعيّة أو نتيجة الفقر، وهو ما اتّفقت معه فيه المحامية والناشطة الحقوقيّة فاطمة عاشور التي قالت إنّ أسباب رمي الطفلين أخيراً في الشارع له سيناريوهات عدّة، فمن الصعب التأكّد ما إذا كان الطفلان لقطاء نتيجة علاقة غير شرعيّة، أم أنّهما نتيجة زواج شرعيّ وتخلّت عنهما عائلتاهما بسبب الفقر المدقع الذي تسبّب به الحصار الشديد على قطاع غزّة منذ ما يزيد عن عشر سنوات.

وأوضحت لمراسل "المونيتور": "لا يمكن اعتبار العثور على طفلين ملقيين في الشارع ظاهرة، إلّا أنّنا نعتبره مؤشّراً لحدث غير سويّ، خصوصاً وأنّ المجتمع الفلسطينيّ محافظ جدّاً".

ورجّحت عاشور أن يكون الطفلان نتيجة سفاح القربى، إذ في إمكان العائلة احتجاز الفتاة الحامل وإخفائها عن الجيران والحفاظ على الجنين حتّى إتمام الحمل والتخلّص من المولود. ومن المعروف أنّه من الصعب أن تبقي أيّ عائلة في غزّة على ابنتها الحامل بطريقة غير شرعيّة، ففي حالات الحمل غير الشرعي تقتل العائلة ابنتها بداعي تطهير شرف العائلة، أو يتمّ إجهاضها في أحسن الأحوال في الأشهر الأولى من الحمل لسهولة التخلّص منه، وطبعا هذا الامر مخالف للدين الاسلامي والقانون".

استبعد اختصاصيّ الصحّة النفسيّة زهير ملّاخة أن يكون السبب وراء التخلّص من الرضيعين اللذين عثر عليهما حديثاً فقر عائلتيهما، إذ أنّ المجتمع في غزّة يؤمن بأنّ كلّ مولود جديد له رزقه الذي يمنحه الله إيّاه، ويقولون بلهجة عاميّة "كلّ مولود رزقه معه".

ورجّح أن يكون الطفلان نتيجة علاقة غير شرعيّة لم يتمكّن الجناة (الأمّ والأبّ لكلّ منهما) من التخلّص منهما أثناء الحمل، مشيراً إلى أنّ إلقاء الأطفال في الشوارع أمر مفزع إنسانيّاً، وله مؤشّرات اجتماعيّة غير مبشّرة، إذ ينذر بحالة فقدان القيم واستسهال العلاقات غير المشروعة.

ووصف جرائم الزنا والاغتصاب بالحالات البهائميّة والتي لا تحسب فيها نتائج العلاقة، ومن الطبيعيّ في علاقة مشبوهة كهذه أن يفكّر الجناة بالتخلّص من نتيجة جريمتهم، إمّا بإجهاض الأجنّة أو إلقاء المواليد إلى الشارع. وتابع: "بسبب غياب فحص الـ"دي أن إيه" في قطاع غزّة، يصبح العثور على الأبوين الحقيقيّين بالغ الصعوبة، ممّا يجعل المغتصب أو الزاني مطمئنّاً لعدم اكتشاف أمره".

ولم يستبعد ملّاخة أن يكون الطفلان نتيجتي جريمتي زنا، إذ أنّ عائلات الضحايا في هذه الحالة تخشى على المغتصبة من نظرات المجتمع، وتبتعد عن خيار القتل لأنّ الفتاة ضحيّة لا جانية، ولأنّ الفتاة تنقم على الجاني وتكره الحمل ويصبح من السهل نفسيّاً عليها التخلّص من الجنين بمساعدة عائلتها على سبيل المثال، وفق قوله، مؤكّداً أنّ غياب الدارسات التوثيقيّة لنسبة اغتصاب الفتيات في غزّة جعل من الصعب الجزم أنّ الحادثة نتيجة اغتصاب كذلك.

وبعد إجراء مراسل "المونيتور" اللقاءات، سُجّلت حالة جديدة لإلقاء رضيع مساء يوم العشرين من شهر شباط/فبراير الجاري أمام معهد الأمل لرعاية الأيتام وسط مدينة غزة.

في ظلّ غياب فحص الـ"دي أن إيه" الخاصّ بتحديد أنساب الأجنّة لعدم وجود مختبرات متخصصة في هذا الأمر، يبقى التخلّص من المواليد الناتجين عن جرائم سفاح القربى أو الاغتصاب أو الزنا هو الحلّ الأقرب والأسلم، في ظلّ مجتمع يخفي الجرائم من هذا النوع خشية الفضيحة، متناسياً أنّ إلقاء الضحايا الحقيقيّين من المواليد هو الجريمة الأكبر.

More from Mohammed Othman

Recommended Articles