يدور في لبنان اليوم صراع سياسي حاد وسجال عنيف حول ضرورة وضع قانون جديد للانتخابات النيابية، المفترض أن تُجرى في كل البلاد في يوم واحد، في الأسبوع الأول من حزيران المقبل. ويتواجه في هذا الصراع فريقا الأكثرية الحكومية الحالية ومعارضوها. غير أن حقيقة الأزمة وجذورها تتخطى مسألة القانون والانتخابات وحتى حسابات الطرفين. إنها في العمق أزمة نظام في داخله، كما في علاقته مع الخارج، من الخارج الأقرب المتمثل في وضع دمشق المجاورة، إلى الخارج الأفعل المتمثل في واشنطن الحاضرة.
ففي الشكل، تبدو المعركة حول القانون الجديد المفترض للانتخابات النيابية جدية، وذلك للمرة الأولى في تاريخ هذا البلد الذي أنشئ في ظل الانتداب الفرنسي سنة 1920، واستقل عن سلطة باريس سنة 1943. لكن المفارقة اللافتة في حياته السياسية والانتخابية، أن لبنان لم يشهد على مدى ستين عاماً من تاريخه الاستقلالي، أي تداول للسلطة، نتيجة انتخابات نيابية عامة. بمعنى أنه لم يعرف فعلياً أي تناوب ديمقراطي على حكمه عبر صناديق الاقتراع. ومع ذلك، أو بسبب ذلك، قيل عن لبنان دوماً أنه "الديمقراطية الخاصة" الوحيدة في المنطقة العربية.
تكفي القراءة الاسترجاعية لمحطات لبنان الانتخابية، لتأكيد ذلك. فعلى مدى أربعة عشر استحقاقاً انتخابياً نيابياً حصلت في لبنان منذ استقلاله سنة 1943 وحتى انتخاباته النيابية الأخيرة سنة 2009، لم تؤد أي عملية اقتراع إلى قيام أكثرية جديدة أو حكومة بديلة، مساء ذات أحد من آحاد الاقتراع الطويلة، بعدما كانت معارضة قبل فتح صناديق الاقتراع. كما لم يؤد أي أحد من تلك إلى سقوط أكثرية وتحولها معارضة. لا بل إن استعراض مفاصل التبدلات السلطوية في لبنان يشير إلى الكثير من المفارقات المضحكة على هذا الصعيد. فالمجلس النيابي الذي تحكم بانتخابه مثلاً أول رئيس لجمهورية لبنان المستقل، بشاره الخوري، سنة 1951، كان هو نفسه المجلس الذي انتخب خصمه اللدود، كميل شمعون، رئيساً للجمهورية بعد سنة ونيف، لمجرد أن البريطانيين يومها أوحوا بانتخاب شمعون. والمجلس النيابي الذي جاء به شمعون نفسه صيف 1957، والذي اتهم يومها بأنه فُصل على قياس التمديد أو التجديد له خلافاً للدستور، هو نفسه المجلس الذي عاد بعد أشهر واصطف متراصاً لانتخاب غريم الشمعونية، فؤاد شهاب، رئيساً للجمهورية. لمجرد أن موفد واشنطن إلى بيروت يومها، روبرت مورفي، اتفق مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر، على انتخاب فؤاد شهاب رئيساً للبنان. (علماً أن مفارقة طريفة أخرى حصلت بعد 30 سنة على تلك الواقعة، حين حاول موفد أميركي آخر، يحمل اسم العائلة نفسه، هو ريتشارد مورفي، الاتفاق مع الرئيس السوري حافظ الأسد، الذي ورث زعامة عبد الناصر في لبنان، لاخيار رئيس للبنان أيضاً سنة 1988) والمجلس النيابي الذي انتخب بشير الجميل رئيساً للجمهورية تحت تأثير الاحتلال الإسرائيلي لبيروت سنة 1982، هو نفسه المجلس الذي عاد وانتخب كلاً من رينيه معوض والياس الهراوي رئيسين للجمهورية، بطلب من الاحتلال السوري وهيمنة دمشق الكاملة على لبنان بعد سيطرتها العسكرية الكاملة عليه سنة 1990. ولو قدر للباحثين اليوم مراجعة أرشيف المجلس النيابي اللبناني وسجلات محاضره، لاكتشفوا كنوزاً من المفارقات الطريفة المماثلة، من نوع النواب الذين أقروا اتفاق القاهرة الذي شرع السلاح الفلسطيني في لبنان سنة 1969، ثم ألغوه، أو اقترعوا بحماسة للمعاهدة اللبنانية السورية سنة 1991، ويطالبون هم أنفسهم اليوم بإسقاطها، أو مددوا لإميل لحود في رئاسة الجمهورية خلافاً للدستور سنة 2004، ثم وقعوا عرائض لإسقاطه.
هكذا منذ العام 1943 وحتى العام 1975، كان لبنان، تلك الديمقراطية الخاصة، يعيش في ظل نظام مزدوج: داخلياً نظام دستوري نصف رئاسي، يعمل على طريقة أوليغارشية بتفاهم الطوائف. وخارجياً نظام وصاية غير معلنة، بين الدولة الإقليمية الأقوى (مصر أو سوريا) بالتفاهم مع الجهة الدولية الأكثر الفاعلية ( فرنسا أو بريطانيا بداية ثم الولايات المتحدة لاحقاً) بعد العام 1975 انفجرت الحرب الأهلية في لبنان، فتعطل كل شيء طيلة خمس عشرة سنة. وصار المجلس النيابي يمدد ولايته لنفسه، نظراً إلى تعذر القدرة على إجراء انتخابات. أما بين العام العام 1990 و2005، فكانت الهيمنة السورية الكاملة على البلد، هي من ينظم انتخاباته الشكلية ويجري استحقاقاته الديمقراطية الصورية، فيتم اختيار النواب والحكومات ورؤساء الجمهورية في دمشق، ويُعمل على إخراج الإرادة السورية بانتخابات ظاهرية. سنة 2005 انسحب الجيش السوري من لبنان، فوجد اللبنانيون أنفسهم أمام استحقاق إجراء انتخابات نيابية «لبنانية» للمرة الأولى في تاريخهم ربما. ما أوقعهم في إرباك كبير. اختلفوا أولاً على قانونها. ثم اختلفوا على مبدأ إجرائها وتاريخه. غير أن الاهتمام الدولي بهذا الوطن الصغير كان يومها في ذروته، في ظل حروب جورج بوش المتنقلة في المنطقة، كما تحت وطأة قرارات مجلس الأمن حيال لبنان وسوريا، وخصوصاً إثر اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق، رفيق الحريري في 14 شباط 2005. وهو ما دفع الولايات المتحدة وفرنسا خصوصاً إلى تأمين اتفاق دولي كبير، نسجه موفد الأمين العام للأمم المتحدة تييري رود لارسن، عبر تفاهم رباعي غير معلن، بين واشنطن وباريس والرياض وطهران، شكل مظلة خارجية لانتخابات نيابية حصلت مطلع صيف ذلك العام. وهو التفاهم الرباعي الخارجي الذي ترجم يومها تحالفاً رباعياً داخلياً هجيناً، بين الفريق الحريري السني وجنبلاط الدرزي وطرفي الفريق الشيعي في بيروت، رئيس المجلس النيابي نبيه بري وحزب الله. فتم تجاوز القطوع، ولو في صيغة ائتلافية هشة، لم تلبث أن انفجرت بعد أشهر.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.