بينما تشخص أنظار العالم إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما لمعرفة متى -أو إذا كان- سوف يضغط على زرّ إطلاق العمليّة العسكريّة ضدّ النظام السوري المتّهم باستخدام السلاح الكيماوي ضدّ شعبه بعدما أدمت القلوب فظاعةُ الصور المنشورة لجريمة الغوطة التي هزّت العالم صباح 21 آب/أغسطس الجاري، فإن أنظار اللبنانيّين مشدودة أيضاً إلى الأساطيل المحشودة قبالة شواطئهم مرتقبة نتائج حدث من هذا النوع على بلدهم الصغير، هم الذين لهم مع حروب الكبار وتحرّكات الأساطيل تاريخ طويل.
ما زال في البال مجيء الأسطول الأميركي إلى لبنان في العام 1982 وقصفه في العام التالي الضاحية الجنوبيّة لبيروت ومواقع قوات كانت متحالفة مع النظام السوري نفسه الذي هو اليوم في مواجهة مع الإدارة الأميركيّة، ثم خروجه من العاصمة اللبنانيّة بعد تفجير انتحاري مزدوج بواسطة شاحنتَين مفخّختَين استهدفتا مبنيَين للقوات الأميركيّة والفرنسيّة وأدّتا إلى مقتل 241 أميركياً و58 فرنسياً، وقد اتهم في تلك العمليّة ومنذ ذلك الوقت حزب الله. لم يحقّق تحرّك الأسطول السادس في حينه أهداف الإدارة الأميركيّة وذلك لجملة اعتبارات، أهمّها وجود اتحاد سوفياتي قائم بكلّ مقوّمات قوّة عظمى، أما على رأس تلك الاعتبارات فرفض عربي عارم لأيّ تدخّل غربي.
أما اليوم، فالظروف مختلفة تماماً. روسيا بوتين ليست الاتحاد السوفياتي بقيادة خروتشوف وبريجنيف أو أمثالهما، والعالم منذ انهيار جدار برلين في العام 1989 لم يعد مقسوماً إلى معسكرَين ولم تعد موسكو في موقع القطب الثاني المقابل لواشنطن. فالفارق بين الاثنين شاسع، وذلك استناداً فقط إلى واحد من معايير القوّة وهو الدخل القومي. فروسيا اليوم هي ما كانت عليه الولايات المتّحدة في العام 1950 أي قبل ستّة عقود. لقد تشدّد الرئيس بوتين بالإمساك بالورقة السوريّة وبالغ في استخدام الفيتو في مجلس الأمن لدرجة أنه عطّله وعطّل مجلس الأمن معه وبات على باب قوسَين من فقدان الورقة التي كانت في حوزته، وهو يتحمّل قسطه من المسؤوليّة في دفع العالم باتجاه استحداث منظومة أمنيّة خارجة عن إطار مجلس الأمن لاحتواء الخطر الكيماوي ومعاقبة مستخدميه. وما إعلان روسيا عن عدم تدخّلها في صراع عسكري حول سوريا سوى دليل إضافي على محدوديّة القوّة الروسيّة وبلوغ مناورتها الدبلوماسيّة حدّها الأقصى.
كذلك، اختلفت الأمور أيضاً على مستوى الصف العربي. فأضحى النظام السوري في عزلة وفي مواجهة غضب عربي بلغ حدّ إنكار الهويّة العربيّة لهذا النظام، بحسب ما جاء على لسان وزير الخارجيّة السعودي الأمير سعود الفيصل في 27 آب/أغسطس الجاري. وقد تجلّت هذه العزلة عبر إجماع خرق المحرّمات التاريخيّة، فتحوّلت الجامعة العربيّة رأس حربة في فعل المطالبة بتدخّل دولي وذلك من أجل ردع الجريمة. وما اجتماع مجلسها منذ يومَين واتهامه النظام باستخدام الكيماوي وحثّ مجلس الأمن على تحمّل مسؤولياته، سوى دليل آخر على ذلك. يضاف إلى ذلك تلمّس المجموعة العربيّة وعلى رأسها دول الخليج للخطر الإيراني، بخاصة بعد سقوط العراق تحت دائرة نفوذ نظام الملالي في طهران وامتداد هذا النفوذ إلى بيروت عبر البوابة السوريّة. فالصراع الدائر هو بالدرجة الأولى صراع مع إيران، وسوريا ليست سوى مسرحه. أما غطاؤه فهو ما نشهده من صراع سنّي-شيعي يؤجّج نيران الحرب الدائرة في سوريا، نيران امتدّ لهيبها إلى الداخل اللبناني.
ولأن الصراع هو مع إيران أولاً، يأتي السؤال الذي يشغل بال اللبنانيّين وغير اللبنانيّين لا سيّما من مهندسي ومقرّري العمليّة العسكريّة المحتملة ضدّ النظام في سوريا: كيف سوف تردّ إيران على الضربة العسكريّة بخاصة بعد ما أعلنت روسيا "حيادها"، وكيف سيردّ حزب الله تحديداً؟ ويُستكمَل السؤال باثنَين آخرين: هل نشهد سيناريو تفجير انتحاري على طريقة العام 1983؟ وهل يتمّ استحضار إسرائيل إلى ساحة المواجهة الكبرى عبر إشعال جبهة الجنوب اللبناني وخرق مفاعيل القرار الدولي 1701، وذلك بغية خلط الأوراق وتأليب الشارع العربي ومحاولة كسب تأييده وتعاطفه مع النظام السوري وحليفه حزب الله؟
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.