يعاني الاقتصاد اللبناني وللسنة الثانية على التوالي تراجعاً في نسبة نموّه الذي لم يتجاوز في العامَين المنصرمَين عتبة 1.5%، ويشكّل هذا الأمر تحدياً بالغ الأهميّة والخطورة إذا لم يتمّ تداركه عبر إجراءات حاسمة وسياسات سليمة. فهو قد يطيح بمقومّات البلد الاقتصادية ويفتّت نسيجه الاجتماعي. ولعلّ السبب الأول لهذا الركود المستجدّ هو ما نشأ عن الثورة السوريّة من أحداث وصراعات امتدّت إلى الداخل اللبناني، ففاقمت شلّل مؤسّساته وعمّقت الفراق في ما بين أبنائه وانتهت إلى إضرام النيران في أحياء مدنه. ما من أحد يجهل أن الحجر الأساس في أي بنيان اقتصادي لا سيّما في الدول المعرّضة لمخاطر أمنيّة، هو عامل الثقة. وهذا الأخير مرتبط بشكل مباشر ليس فقط بالأحداث الآنيّة وتداعياتها على كافة الصعد، إنما أيضاً بتوقّعات المستقبل. ولعلّ أشدّ ما يعيق انتظام الدورة الاقتصاديّة هو غياب أي أفق لحلّ سياسي أو تسوية ما، أكان في الداخل السوري أو في ما بين الفرقاء المتصارعين على الساحة اللبنانيّة.
إن تداعيات الأزمة السوريّة طالت كافة دول الجوار في المشرق العربي. ولم تسلم منها حتى دول مثل تركيا أو العراق. وإن كان للأولى ما يكفي من مقدّرات صناعيّة وضعتها في مصاف أهم القوى الاقتصاديّة عالمياً، وللثانية القدر الوافر من الثروة النفطيّة، الأمران اللذان مكّناهما من امتصاص ارتدادات الأزمة السوريّة عل اقتصاديهما، إلا أن الوضع يختلف بالنسبة إلى الاقتصاد اللبناني "الشديد الإرتباط" بالاقتصاد السوري بحسب ما تؤكّد مؤسّسة "ستاندارد أند بورز" المصرفيّة. فتعطّلت بفعل الأحداث الأخيرة حركة التنقّل عبر البوابة السوريّة التي كانت تشكّل المعبر الأساسي للمنتوجات اللبنانيّة وبشكل أهمّ للبضائع والسلع القادمة عبر مرفأ بيروت باتجاه أسواق دول الخليج العربي. كذلك، كان قسم لا يستهان به من السيّاح القادمين من هذه الدول يعبر تلك البوّابة متوجّهاً إلى الربوع اللبنانيّة. ويصحّ القول أن بعض هذه الحركة التجاريّة انتعش بفعل الحرب الدائرة في سوريا، لا سيّما في ما يتعلّق بالصادرات النفطيّة من لبنان إلى سوريا، ويعود ذلك إلى تنامي حاجات الدولة السوريّة في خضمّ جهدها العسكري في مواجهة الثورة السوريّة. وخير دليل تحوّل ذلك إلى مادة سجال سياسي بين المعارضة والأطرف الحكوميةّ اللبنانيّة المتحالفة مع نظام الأسد. وصحيح أيضاً أن سوق الاستهلاك الداخلي انتعش بفعل تدفّق اللاجئين السوريّين الذين تجاوز عددهم ربع سكان لبنان بحسب ما تشير معظم الصحف اللبنانيّة، بالإضافة إلى أن الطلب على استئجار العقارات السكنيّة قد ارتفع للأسباب نفسها. وعلى الرغم من هذه المكاسب الضئيلة، يبقى أن تكلفة الربيع العربي عموماً والأزمة السوريّة خصوصاً على الاقتصاد اللبناني باهظة وقد بلغت إلى يومنا هذا 6.03 مليار دولار أي ما يعادل 20.21% من الدخل القومي، وذلك وفق تقرير صدر حديثاً عن وحدة الدراسات الاقتصادية في مصرف "الاعتماد اللبناني" وهو أحد أكبر المصارف اللبنانيّة.
لغاية الحقبة الأخيرة من مرحلة ما قبل الثورة، كان السوق السوري يشكّل العمق الإستراتيجي للاقتصاد اللبناني وقاطرة نمو حقيقيّة لبعض المؤسّسات والمصارف اللبنانيّة التي كانت أوّل المواكبين لسياسة الانفتاح التي أطلقها الرئيس الشاب (بشار الأسد) قبيل وصوله إلى الحكم وقبل اصطدامه بالحرس القديم ومن ثم بغضب الشعب الثائر المطالب بالمشاركة وبالحريات السياسيّة. وهذا ما دفع بهذه الشركات اللبنانيّة إلى إعادة النظر بخططها التوسّعية باحثة عن أسواق بديلة، بخاصة بعد انتكاسة أسواق بلدان شمال إفريقيا بفعل إرهاصات الربيع العربي. أما الأثر الأبلغ للأزمة السوريّة وللأبعاد المذهبيّة التي اتّخذتها في ظلّ تحوّلها إلى حرب إقليميّة انخرطت فيها دول المنطقة، فكان على القطاع السياحي في لبنان الذي يشكّل مدماكاً أساسياً للاقتصاد ودافعاً لقطاع الخدمات وهو مدماكه الثاني. فالسياحة في لبنان تساهم بنسبة 25% من مجمل الناتج القومي ومعظم السياح يتوافدون إليه من دول الخليج العربي. وما كان قرار هذه الأخيرة مطلع حزيران/يونيو الماضي بتحذير رعاياها من السفر إلى لبنان، إلا بمثابة الضربة القاضية التي أطاحت بأي أمل لانتعاش القطاع في المدى المنظور.
إن إنهيار سياسة النأي بالنفس بفعل انغماس حزب الله وبشكل علني في الحرب الدائرة في سوريا، لم يطح فقط بالحكومة الأخيرة التي تفكّكت تحت وطأة تناقضاتها، إنما كشف أيضاً خاصرة لبنان الاقتصاديّة. فأضاف عبئاً إضافياً على المشاكل البنيويّة التي يعاني منها أصلاً الاقتصاد اللبناني، مثل عجز ميزانه التجاري وتنامي دَينه العام وغياب الإصلاحات الهيكليّة، لا سيّما تلك التي تحرّر قوى الاقتصاد الحيّة المتمثّلة بالقطاع الخاص أو تلك التي تحدّ من الفساد في الإدارة وترشد الإنفاق. ويتمثّل هذا العبء الإضافي بازدياد الضغوط والرقابة الدوليّة عليه، ما يحدّ من حريّة التعامل المصرفي والتجاري معه ويرفع من نسبة المخاطر المتّصلة به ويؤثّر سلباً على تصنيفه الائتماني. فإدراج حزب الله على لائحة الإرهاب في 22 تموز/يوليو المنصرم من قبل المجموعة الأوروبيّة، وذلك بعد قرار مماثل للولايات المتحدة الأميركيّة، يضع لبنان في عين العاصفة. ومهما رافق هذا القرار من كلام دبلوماسي يحاول امتصاص تداعياته الأمنيّة المحتملة، إلا أنه أقله من حيث توقيته وظروفه مرتبط بالأحداث السوريّة. وبغضّ النظر عن إجراءاته التنفيذيّة ومداها الزمني، فإن مجرّد إعلانه يهزّ صورة لبنان ولا يشكّل أبداً حافزاً لا لحركة الاستثمار ولا للسياحة.
فربط لبنان بالأزمة السوريّة وبأزمات المنطقة عموماً، مهما يكن الموقف من صوابيّة وأحقيّة سياسات الممانعة، يرتّب تكلفة اقتصاديّ تتعدّى قدرة البلد الصغير على تغطيتها وتطرح إشكاليّة أوسع تتعلّق بموقع لبنان على خارطة الشرق الأوسط الاقتصاديّة، وذلك ليس سوى انعكاساً للدور السياسي الذي يختاره طوعاً أو رغماً عنه. ففي المحصّلة هو أمام خيارَين يتمثّلان بنموذجَين اقتصاديّين: دبي أو غزّة. وشتّان ما بين هذا وذاك.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.