على مسافة نحو 190 كيلومتراً جنوب طهران، تقع مدينة كاشان، فبقرب سوقها التقليديّة الشهيرة باسم بازار، كما بصناعة سجّادها الذائع الصيت، تجمّعت حلقة من الناشطين الإيرانيّين الإصلاحيّين، حول طاولة عشاء في أحد المقاهي التقليديّة، فماذا عن "الربيع العربيّ" سألناهم؟ وما هي قراءتكم لأحداثه ونتائجه وانعكاساته عليكم وعلى بلادكم؟
موضوع الربيع العربي مطروح بقوة بالنسبة إلى الإصلاحيين، لأنهم يعتبرون أن أحداثه أثرت إيجاباً في التوجهات الغربية وخصوصاً الأميركية، حيال إيران. لكنها أثرت سلباً عليهم لجهة تأجيج الفتنة الشيعية السنية، وهو ما يضعف موقفهم حيال المحافظين داخل إيران.
لقد سارع الأستاذ الجامعيّ الدكتور آغا في عرض رأيه، إذ قال: "منذ انطلاقة أحداث ما سمّي بالربيع العربيّ، كنّا أقرب إلى التّشاؤم حياله، إن لجهة ما سيرتّبه على المجتمعات الّتي حلّ فيها أو لجهة انعكاساته على إيران في داخلها، وفي علاقاتها بجوارها ومنطقتها. ومنذ بداية الأحداث، كان واضحاً بالنّسبة إلينا أنّ النّمطين القبليّ والعشائريّ والذهنيّات الريفيّة، بالمعنى السوسيولوجيّ لهذه المفاهيم، لا تزال طاغية في تلك المجتمعات ومسيطرة على غالبيّاتها. وبالتّالي، فإنّ أيّ مشروع ثورة مطروح في تلك الأوضاع والظروف، لا يملك مقوّمات نجاحه وانتقاله من حال الاستبداد إلى حال الحريّة والتحرّر، بل سيسقط في صراع طويل ومزمن من الحروب الأهليّة والداخليّة واستدراج التدخّلات الخارجيّة، فضلاً عن صراعات التصفية بين الثوّار أنفسهم وبين كلّ من ستتفتّح شهيّاتهم على السلطة، بعد سقوط الحكّام السابقين"، لكنّ الأهمّ بحسب الدكتور آغا، أنّه "كان واضحاً بالنّسبة إلينا، أنّ هذه الصراعات الجديدة ستتّخذ عاجلاً أم آجلاً، طابعاً دينيّاً ومذهبيّاً تحديداً، ممّا سيؤجّج محاور الفتنة بين السنّة والشيعة، وهو ما ليس لصالح بلدنا إيران، ولا هو لصالح رؤيتنا لدولتها ونظامها والمصالح العامّة للشعب الإيرانيّ".
وتدخلّ الدكتور إحسان فقال: "بالنّسبة إلينا، نعتقد ونؤمن بأنّ الإنزلاق إلى الفتنة المذهبيّة السنيّة - الشيعيّة هو خطر كبير على بلادنا، وخطر أكبر على رؤيتنا وتصوّرنا لإيران، إذ لا يمكن أن نبحث عن إصلاح أو نطرح تطوير مجتمعنا ودولتنا وإقتصادنا، تحت وطأة الصراع المذهبيّ في المنطقة ومن حولنا. فعلى العكس، نحن نحتاج إلى أجواء حواريّة وانفتاحيّة كي نحيا وتحيا أفكارنا، بينما أجواء التّعبئة والفتنة والحروب تقضي علينا وعلى فكرنا. لذلك، عند اندلاع أحداث ما سمّي بالربيع العربيّ، بدأنا نتابع تطوّرات الأمور في منطقتنا. ومن جهة أخرى، نعرف أنّ من ثوابت محيطنا أنّ هناك ثلاثة بلدان مؤهّلة لأن تشكّل الشريك أو المحاور السنيّ لإيران الشيعيّة، وهي: مصر والسعوديّة وتركيا. وبسرعة تبلغنا الصدمة المصريّة، فبعد ثورة 25 كانون الثاني/يناير من عام 2011، وصل الإخوان المسلمون إلى السلطة في القاهرة، لكنّ هؤلاء الّذين ظلّوا طيلة نحو قرن كامل يطالبون بالعدالة والإنصاف، سارعوا بعد وصولهم للحكم إلى اعتماد ممارسات لا علاقة لها بتلك الأهداف، وهو ما أدّى إلى عودة العسكر للحكم في مصر. وفي الحالتين، خسرنا فرصة أن تشكّل مصر الشريك السنيّ القادر على محاورتنا. أمّا السعوديّة فالمشكلة معها كانت ولا تزال أكثر صعوبة وتعقيداً، فإذا كانت مصر لم تشكّل محاوراً سنيّاً لنا، فإنّ النّظام السعوديّ، وعن سابق تصوّر وتصميم، شكّل العدو الدينيّ والمذهبيّ والعقائديّ الشرس لإيران، لا بل حرص في كلّ مناسبة على حشد أكبر قدر من التّعبئة المذهبيّة ضدّ دولتنا وحكومتنا. وقد يعتبر حكّام الرياض أنّ تعبئة العالم السنيّ ضدّ طهران هي أفضل وسيلة لفوزهم في سلسلة الحروب الّتي يخوضونها، ولكن في النّتيجة، ساهمت تلك في ضرب الفضاء الذي يمكن لفكرنا الإصلاحيّ الحواريّ أن يتحرّك من ضمنه. وكان لا يزال هناك نظريّاً تركيا، لكن سلوك الرئيس رجب طيّب أردوغان، كان قريباً جدّاً من سلوك الإخوان المسلمين في مصر، فهو لم يتورّع عن اعتماد خطاب مذهبيّ وسياسات تعبئة سنيّة ضدّ غير السنّة، ممّا حرمنا أيضاً وأيضاً من مشروع شريك سنيّ محاور لنا ولفكرنا في محيطنا والمنطقة".
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.