بعد أكثر من ثلاثة أعوام على الوضع الأمنيّ غير المستقرّ، على الحدود الشرقيّة للبنان، عند منطقة عرسال وجرودها، حيث تجمّع مسلّحون تابعون إلى جماعات أصوليّة وإرهابيّة مثل "داعش" وجبهة النصرة، بدا في الآونة الأخيرة أنّ الأمور هناك تميل إلى شيء من الاستقرار. حتّى أنّ الجيش اللبنانيّ بات يسيطر في شكل كامل على منطقة عرسال. وبدا أنّ المسلّحين الإسلاميّين المنتشرين في جرود تلك المنطقة، باتوا فعليّاً عاجزين عن القيام بأيّ عمل عسكريّ كبير أو تنفيذ أيّ خرق أمنيّ خطير.
أسباب عدّة يمكن أن تفسّر هذا الوضع المستجدّ. أوّلها، تراجع القدرات البشريّة واللوجستيّة للمسلّحين، نتيجة الضربات التي تلقّوها في الداخل السوريّ، في معاركهم المختلفة مع الجيوش المتعدّدة التي تقاتلهم هناك، الجيش السوريّ والجيش الروسيّ وحزب الله والتحالف الدوليّ ضدّهم. وهو ما يؤكّده لموقعنا مسؤول أمنيّ لبنانيّ طلب عدم ذكر اسمه، كاشفاً أنّ لدى سلطاته "معلومات موثّقة عن أنّ قسماً لا بأس به من المسلّحين الذين كانوا يرابضون في جرود عرسال، انتقلوا منها إلى القتال على جبهات عدّة داخل سوريا". هذا فضلاً عن تقاتل تلك المجموعات في ما بينها على أرض جرود عرسال، إذ نشبت طيلة الفترة الماضية، اشتباكات عدّة بين المسلّحين أنفسهم، من أتباع المجموعات المختلفة، أدّت إلى تصفية العديد منهم وإلى مزيد من إضعاف قدرة هؤلاء في هذه المنطقة.
سبب ثانٍ ساهم في شكل حاسم في إضعاف قدرات المسلّحين، يتمثّل في تنامي قدرات القوى الأمنيّة اللبنانيّة. وإذ يعترف المسؤول الأمنيّ بذلك، يعزوه في شكل أساسيّ إلى المساعدات التي تتلقّاها هذه القوى، وخصوصاً من قبل الولايات المتّحدة الأميركيّة، ذلك أنّ بينها تجهيزات وتقنيّات وأسلحة ساهمت في شكل فعّال في توجيه ضربات حاسمة عدّة للمسلّحين. يبقى سبب آخر، ألا وهو ارتفاع منسوب الحساسية والعداء بين أهل مدينة عرسال اللبنانيّين وبين المسلّحين، وذلك بعد نحو ثلاثة أعوام ونيّف من الممارسات الإرهابيّة التي قام بها هؤلاء داخل البلدة وفي محيطها وجرودها، وخصوصاً بعد سلسلة التصفيات التي قاموا بها ضدّ عدد من أبناء عرسال لأسباب مختلفة، إضافة إلى سيطرتهم المستمرّة على الجرود ومنعهم أبناء المدينة من الوصول إلى أرزاقهم واستثمارها، أكانت حقولاً زراعيّة أم مقالع الصخر الشهيرة التي يملكها العرساليّون في جردها ويعتاش منها عدد كبير منهم، وهو ما حرمهم المسلّحون منه طيلة الفترة الماضية كاملة. لتلك الأسباب كلّها، نشأت حالة من الطلاق النفسيّ والواقعيّ بين المسلّحين الإرهابيّين وأبناء عرسال، و"هو ما ساعد القوى الأمنيّة اللبنانيّة كثيراً في حربها العسكريّة والأمنيّة المفتوحة ضدّ المسلّحين"، كما يؤكّد المسؤول نفسه لموقعنا.
أبرز نتائج تراجع قوّة المسلّحين، ما حصل في 28 نيسان/أبريل 2016، حين تمكّن الجيش اللبنانيّ من مهاجمة منزل داخل عرسال نفسها، كان يقيم في داخله مسؤول "داعش" في المدينة. وسرعان ما اشتبك الجيش بالنار مع المسلّحين، ممّا أدّى إلى مقتل المسؤول الإرهابيّ المذكور، واسمه نايف شعلان حديد، والملقّب بأبو الفوز. بعد هذه العمليّة النوعيّة والحاسمة، يقول المسؤول الأمنيّ لموقعنا، "أدرك جميع المسلّحين الأصوليّين أنّ هامش تحرّكهم داخل مدينة عرسال بات ضيّقاً جدّاً ومكشوفاً أمام ضربات الجيش اللبنانيّ، وأنّ يدّ القوى الأمنيّة اللبنانيّة باتت قادرة على ضربهم هناك".
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.