هل يطال صدى الربيع العربيّ التوتّر السياسيّ القائم في المغرب؟

في المغرب، تحوّلت الشعارات السياسيّة، إبان الربيع العربيّ، إلى احتجاجات ذات طابع اجتماعيّ.

al-monitor .

مار 3, 2019

الدار البيضاء - مرّت 8 سنوات على اندلاع ما سمّي بالربيع العربيّ. وفي تلك الفترة، ولدت "حركة 20 فبراير" في المغرب، بقيادة أحزاب اليسار المغربيّ وبدعم من "جماعة العدل والإحسان"، وهي منظّمة سياسيّة ذات مرجعيّة إسلاميّة غير معترف بها قانونيّاً من قبل الدولة المغربيّة. وفي ذلك اليوم من سنة 2011، خرج عشرات الآلاف من المتظاهرين في شوارع العاصمة الرباط وفي العديد من المدن المغربيّة الأخرى للمطالبة بالحريّة والكرامة والعدالة الاجتماعيّة. ومن بين أمور أخرى، حلّ البرلمان والحكومة التي كان يرأسها عباس الفاسي آنذاك، إذ كانت تعتبره شريحة واسعة من الشارع المغربي كرمز من رموز الريع السياسي نظرا لاحتكار عائلته مختلف المناصب في هرم السلطة منذ بداية القرن العشرين، واعتماد دستور ديمقراطيّ يوسع من صلاحيات الحكومة والبرلمان ويضمن استقلالية القضاء.

وفي 9 آذار/مارس من عام 2011، وفي خطاب يخالف البروتوكول المعتاد، خاطب الملك محمّد السادس المغاربة بإعلانه تغيير الدستور وتعزيز استقلاليّة السلط التنفيذية والتشريعية والقضائية. وتمّ التصويت على هذا الدستور بأكثر من 98 في المئة من الأصوات عقب استفتاء في الأوّل من تمّوز/يوليو من السنة نفسها.

وأعطت الانتخابات التشريعيّة الأولى في ظلّ الدستور الجديد، والتي أجريت في 25 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2011، الصدارة إلى حزب العدالة والتنمية الإسلاميّ، ليصبح الحزب الأكثر تمثيلية في البرلمان المغربي من حيث عدد المقاعد، حيث عيّن الملك أمينه العام عبد الإله ابن كيران لرئاسة الحكومة في 29 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2011.

يواصل عبد الإله ابن كيران دفاعه عن التدخّل المباشر لمحمّد السادس في السلطة التنفيذيّة، وذلك على الرغم من إبعاده عن المشهد السياسيّ من طرف الملك لعجزه عن إقناع حلفاء لتشكيل أغلبية حكومية بعد الانتخابات التشريعية في السابع من أكتوبر 2016، ترتب عنه ما سمي ب"البلوكاج الحكومي". إذ عبّر ابن كيران خلال لقاءات عدّة مع الصحافة وشبيبة حزبه عن رفضه للملكيّة البرلمانيّة التي يسود فيها الملك من دون أن يحكم، أي أنه من أشد المتشبثين بالتدخل المباشر للملك في الجهاز التنفيذي كما هو الحال في الوقت الراهن.

يعتبر العديد من متتبعي الشأن السياسي في المغرب أن وعود الخطاب الملكي في التاسع من مارس 2011، لم تكن سوى مراوغة كان الهدف منها امتصاص غضب الشارع مرحليا، وأن أهم السلط لاتزال بين يدي الملك رغم دخول الدستور الجديد حيز التنفيذ.

رأي ابن كيران في طبيعة النظام الملكيّ لا يختلف عن مواقف أحزاب الأغلبيّة الحكوميّة والمعارضة. ولعلّ الحزب السياسيّ الوحيد الذي يدعو صراحة من داخل قبّة البرلمان إلى إقامة نظام ملكيّ برلماني ديمقراطيّ يسود فيه الملك ولا يحكم، هو فيدراليّة اليسار الديمقراطيّ.

للإشارة فحسب الفصل 48 من الدستور المغربي الحالي فإن الملك يترأس "المجلس الوزاري". هذا المجلس لا يمكن لرئيس الحكومة ترؤسه إلا بتفويض من الملك.

وفي هذا الصدد، اعتبر الناشط والأستاذ الجامعيّ في المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين في ديداكتيك اللغات والخبير في الحركات الاجتماعيّة بالمغرب خالد البكاري متحدثا ل"المونيتور" أنّ هناك شعور بخيبة أمل لدى شباب حركة 20 فبراير لعدم وفاء الوثيقة الدستورية بوعودها وقال: "في عام 2011، كان جزء كبير من حركة 20 فبراير من انتماءات سياسيّة يساريّة. وكانت الحركة مؤطّرة من قبل هؤلاء الناس. كما كان عدد كبير من هؤلاء يؤمن بالتغيير من داخل المؤسّسات، وكانت لديهم ثقة في تجاوب السلطة المركزيّة مع مطلب التحوّل الديمقراطيّ" وهو الشيء الذي لم يحدث حسب البكاري.

من جهتها، اعتبرت نبيلة منيب، وهي الأمينة العامّة للحزب الاشتراكيّ الموحّد، أحد مكوّنات فيدراليّة اليسار الديمقراطيّ وأحد الفاعليّات الحزبيّة القليلة التي دعمت "حركة 20 فبراير"، في حوار لها مع "المونيتور"، أنّ الدستور لا يرقى إلى أبسط تطلّعات الشارع المغربيّ، وقالت: "قدّم دستور 2011 بعض التطوّرات الضئيلة، لكنّه لا يزال بعيداً عن أبجديّات التحوّل الديمقراطيّ. طالما لا يضمن الدستور الفصل بين السلطة واستقلال القضاء واحترام السيادة الشعبيّة، لا يمكننا حتّى أن نقول إنّه دستور في مسار الانتقال الديمقراطيّ. إذ أنّ الدستور الحاليّ يمنح للقصر الملكيّ فرصة لتعزيز دعائمه، ولا يترك لرئيس الحكومة سوى سلطات جدّ محدودة".

من جهته، اعتبر الصحافيّ والعضو السابق في "حركة 20 فبراير" عمر الراضي في حوار مع "المونيتور" أنّ النظام ضيّع فرصة الانتقال الديمقراطيّ سنة 2011، وقال: "كان بإمكان الدولة أن تغتنم فرصة الربيع العربيّ لتثبيت أسس الديمقراطيّة، لكن للأسف لم يحدث ذلك، وهو ما أدّى إلى شعور بالاستياء في الشارع المغربيّ، واكبته حراكات شعبيّة جديدة تنادي بالحقوق الاجتماعيّة، إذ لمّا تتحوّل الشعارات السياسيّة إلى مطالب اجتماعيّة، فهذا دليل على تفاقم حجم الأزمة".

وفي هذا الشأن، رأى خالد البكاري أنّ "جلّ المظاهرات والاحتجاجات التي أعقبت عام 2011 قادها أناس من دون خلفيّة حزبيّة، وكان لهذه الحراكات طابع اجتماعيّ إقليميّ مثل حراك الريف أو في مناطق أخرى مثل جرادة وزاكورة، لكنّها تسائل في جوهرها عن تضارب المصالح بين السلطة ومراكمة الثروة بين أيادي صناع القرار. فصحيح أنّ حركة 20 فبراير تحلّلت، لكن لا يمكننا القول إنّها اختفت بالكامل. بل على العكس، ولدت ديناميكيّات ألهمت الحركات الاجتماعيّة التي ولدت بعد عام 2011".

وبعد مرور 5 سنوات على دخول الدستور حيّز التنفيذ، شهدت مدينة الحسيمة في شمال المغرب نهاية تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2016 مظاهرات شعبيّة سمّيت بحراك الريف، بعد مقتل بائع سمك في شاحنة لجمع النفايات في 28 من نفس الشهر. وبقيادة ناصر الزفزافي، حملت ساكنة المدينة المهمشة والقرى المجاورة شعارات ذات طابع اجتماعيّ تطالب فيها السلطات ببناء مستشفى وكلية وبفك العزلة عن المنطقة. وبعد مرور عام، تمّ اعتقال زعيم الحراك في 29 أيّار/مايو من عام 2017 وحكم عليه بالسجن لمدّة 20 سنة مع العشرات من رفاقه.

وبحسب نبيلة منيب، فإنّ إدانة رموز الحراك كشفت عورة السلطة، إذ قالت: "المقاربة الأمنيّة هي السياسة الفعليّة التي تتعامل بها الدولة مع الحراكات الشعبيّة".

وقال البكاري: "هناك انعدام في الثقة بين الشعب المغربيّ والنظام المركزيّ، إضافة إلى انعدام تمثيليّة طبقات واسعة من المجتمع داخل أجهزة الدولة. ولذا، فلن يكون أمر غريب إذا شهدنا مستقبلاً حراكات شعبيّة أكثر راديكاليّة من ذي قبل".

مقالات مميزة

الفجر العظيم... حملة فلسطينيّة للدفاع عن المقدّسات الإسلاميّة
أحمد ملحم | القدس | فبر 7, 2020
طلّاب الجامعات والحوزات الدينيّة يُديمون زخم الاحتجاجات في العراق
مصطفى سعدون | | ديس 6, 2019
المؤسّسات الفلسطينيّة بالقدس في مرمى الاستهداف الإسرائيليّ
انتصار ابوجهل | | ديس 3, 2019
التك تك يتحول الى رمز للثورة في العراق
عدنان أبو زيد | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | نوف 22, 2019
مشهد وسط بيروت يتبدّل مع الثورة
Hanan Hamdan | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | نوف 22, 2019

بودكاست

فيديو