نبض مصر

تهجير قسريّ... الحكومة المصريّة في مواجهة سكّان مناطق حيويّة وأثريّة في القاهرة

p
بقلم
بإختصار
استيقظ مصطفى على أصوات قوّات الأمن تطوّق المنطقة التي يقع فيها منزله في الكامل، وأصوات الجرّارات في كلّ مكان، وهتافات السكّان الرافضة لما يحدث تتردّد، من دون أيّ مقدّمات أو سابق علم بما تخطّط الحكومة لفعله.

القاهرة- استيقظ مصطفى على أصوات قوّات الأمن تطوّق المنطقة التي يقع فيها منزله في الكامل، وأصوات الجرّارات في كلّ مكان، وهتافات السكّان الرافضة لما يحدث تتردّد، من دون أيّ مقدّمات أو سابق علم بما تخطّط الحكومة لفعله.

يأتي ذلك ضمن جولة جديدة من حملات تهجير المواطنين وهدم منازلهم، في مناطق متفرّقة من القاهرة والجيزة، وهو ما تطلق عليه الحكومة أسماء أخرى كـ"إزالة التعدّيات"، و"حملات تطوير القاهرة وتجميلها".

حملة الإزالات أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي في مايو 2017، وكانت على أكثر من مستوى، المنازل أولا ثم المناطق الزراعية في أكثر من محافظة.

يكمل مصطفى –اسم مستعار بناء على طلبه– في تصريحات إلى "المونيتور"، تفاصيل ما جرى مع أهالي منطقة نزلة السمان المطلّة على أهرامات الجيزة الشهيرة والتي تبعد عن مركز العاصمة حوالى 20 كيلومتراً، حيث اقتحمت قوّات الأمن صباح الأربعاء في 23 كانون الثاني/يناير الجاري، مع جرّارات، المنطقة وحاصرتها في الكامل، وشرعت في هدم المنازل في الحزام القريب مباشرة من المنطقة السياحيّة المشهورة بوجود البزارات التي تبيع التحف الفرعونيّة والهدايا التذكاريّة للسائحين.

وبحسب كلام مصطفى، حاول الأهالي التصدّي لهدم المنازل، والتأكيد على ملكيّتهم للأرض المبنيّة عليها وأنّها ليست تعدّيات على أراضي الدولة أو ما شابه ذلك، ممّا أدّى إلى اندلاع اشتباكات، أطلقت قوّات الأمن على أثرها قنابل الغاز المسيل للدموع، واعتقلت 33 شخصا.

ونفى المركز الإعلاميّ لمجلس الوزراء المصريّ، في بيان وزّعه على الصحافيّين وحصل "المونيتور" على نسخة منه، أن تكون هناك حملة ممنهجة لتهجير أهالي المنطقة، معتبراً أنّ كلّ ما ظهر في مقاطع الفيديوهات محاولة لتصدير غير الحقيقة.

ولكنّه عاد في البيان وقال إنّه تمّت إزالة عدد من العقارات المخالفة والتي "تؤثّر على المشهد الحضاريّ"، والتي بنيت من دون الموافقات الأمنيّة، الأمر الذي نفاه الأهالي وأكّدوا امتلاكهم للأوراق التي تثبت حقّهم في الأرض والبناء وملكيّتهم لهما.

وما زالت المفاوضات مستمرّة بين الحكومة المصرية والأهالي والسكّان، لضمان حقوق المواطنين أصحاب العقارات والأراضي في المنطقة، والذين يؤكّدون امتلاكهم الأوراق القانونيّة التي تثبت ملكيّتهم ولجوءهم إلى القضاء في حال الاستمرار في عمليّة الإزالة والتهجير، بحسب مصطفى.

وفي حزيران/يونيو 2017، تحدّث الرئيس عبد الفتّاح السيسي، في مؤتمر الشباب المنعقد آنذاك، عن التعدّيات على أراضي الدولة، مؤكّداً أنّ إزالتها ستفتح الباب أمام الاستغلال الاقتصاديّ لهذه المناطق وتطويرها والقضاء على ما أسماه "العشوائيّات". ومنذ ذلك الوقت، تتصاعد أعمال عمليّات الإزالة.

لم تكن منطقة نزلة السمان فقط التي قرّرت السلطات إزالتها وتهجير سكّانها، ولكن سبقها في ذلك، بداية من ابريل 2018 وحتى الآن، مثلّث ماسبيرو الذي يقع في وسط العاصمة القاهرة، والذي يعرف بذلك الاسم لوقوعه على شكل مثلّث خلف مبنى اتّحاد الإذاعة والتلفزيون المصريّ "ماسبيرو"، وأيضا جزيرة الوراق التي تقع على حدود محافظة الجيزة وتبعد عن مركز العاصمة حوالى 25 كيلومتراً.

كانت عمليّة إزالة السكّان وهدم كلّ منازل مثلّث ماسبيرو، والتي بدأت منذ أسابيع ومستمرّة حتّى كتابة هذه السطور، هي الأعنف في ما يخصّ ملفّ السكّان في الأماكن التي تبحث الدولة عن ضمّها وتطويرها وبناء شقق وعمارات سكنيّة فارهة.

ويحكي أحد سكّان مثلّث ماسبيرو وعضو لجنة التفاوض مع الحكومة المصريّة مصباح حسن، في تصريحات إلى "المونيتور"، تفاصيل المعاناة التي يعيشها الأهالي بعد تهجيرهم من منقطة سكنهم المميّزة القريبة من وسط العاصمة.

ويقول حسن: "كنّا حوالى 4 آلاف أسرة مكوّنة من أب وأمّ وأبناء، الحكومة أخرجتنا من منازلنا وقامت بعمليّة الهدم. حوالى 460 أسرة حصلت على مساكن بديلة في منطقة الأسمارات، والسكّان هناك يعانون من بعد المسافة وقلّة الخدمات".

ويضيف حسن: "وحوالى 950 أسرة تفاوضت معها الحكومة على إعادتها مرّة أخرى إلى المنطقة بعد تطويرها وتخصيص شقق سكنيّة لها، وكان الاتّفاق على العودة بعد 3 سنوات، وفي حال التأخير، يتمّ منح كل أسرة، 1500 جنيه شهريّاً (90 دولاراً)، طوال مدة التأخر وحتى استلام الشقق السكنية.

وأشار إلى أنّ معاناة ملّاك الأراضي مع الدولة ما زالت قائمة، خصوصاً وأنّ الحكومة لم تصرف لهم مستحقّاتهم الماليّة حتّى الآن مقابل تنازلهم عن ملكية الأرض لصالح الدولة، على الرغم من مرور ما يزيد على 3 أشهر على عمليّة إزالة السكّان وهدم المنازل وتوقيع عقود تنازل ملاك الأراضي في مثلث ماسبيرو عن أراضيهم مع الدولة الممثلة في وزارة السكان.

وطالب حسن بضرورة إيجاد حلّ يرضي الجميع، وتوفير الخدمات اللازمة للأسر، خصوصاً وأنّه لم تكن أمامها أيّ حلول أخرى غير الموافقة على ما تطرحه الحكومة من بدائل جميعها تنتهي بترك المنازل ومغادرتها وهدمها، بينما كانوا لا يريدون المغادرة.

من جانبه، قال عضو مجلس النوّاب المصريّ وعضو تكتّل 25-30 المحسوب على المعارضة داخل البرلمان النائب هيثم الحريري إنّ المشكلة الأساسيّة هي أنّ الحكومة لا تقدّم بدائل حقيقيّة وظاهرة للمواطنين.

وأضاف الحريري في تصريحاته إلى "المونيتور" أنّ هناك أزمة ثقة حقيقيّة بين المواطنين والنظام المصريّ الحاليّ تحديداً، نتيجة لسياسات كثيرة، وعمليّة إزالة السكّان وتهجيرهم من مناطقهم في المطلق ليست سيّئة، ولكن كان على الحكومة أن تقدّم البديل مباشرة.

واقترح الحريري أن تكون هناك خطوة أوّليّة قبل الشروع في هدم المنازل وتهجير السكّان، وهي بناء مساكن بديلة أوّلاً، وتسكين المواطنين فيها، بدلاً من وعود حكوميّة يخشى الناس ألّا تتحقّق بسبب أزمة الثقة الموجودة بين الطرفين.

واعتبر الحريري أنّ ما جرى في محافظة الإسكندريّة -ثالث أكبر محافظة في مصر من عمليّة إزالة بعض المناطق هناك كانت إيجابيّة حيث بدأت الحكومة في 2015 إزالة مناطق سكنية عشوائية في الإسكندرية، لأنّ الحكومة قرّرت أوّلاً بناء مشاريع وتقديم البديل فوراً للسكّان، من دون تركهم في الشارع من دون حماية.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

أحمد رمضان، صحفي مصري، عمل كمحرر في العديد من المواقع والصحف المصرية، كالبديل والبداية والدستور والبوابة ومنشور، وتخصص خلال الفترة من 2010 وحتى 2013 في شئون الجماعات الإسلامية والإسلام السياسي، ومعد سابق في التلفزيون.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept