PALESTINE PULSE


 

دحلان... البقاء داخل "فتح" أو تشكيل حزب جديد

بقلم: عدنان أبو عامر
نشر مارس 1, 2018

كشفت وكالة "نبض" للأنباء في 5 شباط/فبراير أنّ دولة الإمارات العربيّة المتّحدة طلبت من النائب في المجلس التشريعيّ والقياديّ المفصول من حركة "فتح" محمّد دحلان تشكيل حزب سياسي فلسطيني جديد بعيد عن "فتح" بسبب رفض الرئيس محمود عبّاس إنهاء خلافه معه الذي يعود إلى عام 2010، ورغبة الإمارات بمشاركة محمّد دحلان في أيّ إنتخابات رئاسيّة فلسطينيّة مستقبلاً،وفقا لوكالة نبض التي استندت لمصادر فلسطينية، لم تكشفها. مع العلم أن تشكيل الحزب السياسي الجديد، الذي سيقوده دحلان، قد يساعده على المشاركة بالانتخابات الرئاسية الفلسطينية القادمة، التي لم يحدد موعدها بعد، أسوة بغيره من الأحزاب والقوى السياسية الفلسطينية.

رغم رفض دحلان تشكيل الحزب الجديد، دون أن تكشف وكالة نبض رد دحلان الدقيق على المقترح الإماراتي، لكنّها ذكرت بذات التقرير أن دحلان أجرى في يناير وفبراير 2018 استفتاء بمناطق انتشار التيّار الإصلاحيّ الذي يقوده داخل فلسطين وخارجها، لاسيما قطاع غزة ولبنان والأردن، فمنهم من رفض المقترح الإماراتيّ، ومنهم من تجاوب معه.

في هذا السياق، قال عماد محسن، وهو المتحدّث باسم التيّار الإصلاحيّ الديمقراطيّ، لـ"المونيتور": "إنّ تدخّل دولة الإمارات في عمل التيّار غير وارد، فهي فقط تستضيف قيادة التيّار لديها بحفاوة. ورغم وجود أصوات داخل التيّار الإصلاحي الديمقراطي تنادي بالتوقّف عن الانتساب لفتح في ظلّ الإقصاء والفصل والتهميش والمحاكمات التي ينفّذها عبّاس ومن يحيطون به ضدّ معارضيهم والتقدّم خطوة إلى الأمام بتشكيل إطار جديد يحمل موروث فتح ولا يدّعي وراثتها، لكنّ المداولات والمشاورات الداخليّة في الأسابيع الأخيرة حول الطلب الإماراتي أسفرت عن اتفاق أطر التيّار القياديّة على أنّنا جزء من فتح، لم ولن نغادرها، حالياً ولاحقاً، لأنّ تغيير فتح يجب أن يتمّ من داخلها فقط".

ظهر التيار الإصلاحي الديمقراطي في قطاع غزة في 2016، عقب إخفاق المصالحة بين دحلان وعباس، التي قامت بها مصر والسعودية والإمارات، وهو تيار يقوده دحلان، ويضم كبار قادة فتح بغزة فصلهم عباس من الحركة في أوقات مختلفة منذ 2014، مثل سفيان أبو زايدة، أشرف جمعة، ماجد أبو شمالة، نعيمة الشيخ علي، عبد الحميد المصري، واتخذ عباس عقوبات ضدهم كقطع رواتبهم التي يتقاضونها من السلطة الفلسطينية، وملاحقة مؤيدي دحلان في الضفة الغربية.

الحديث عن تشكيل حزب سياسيّ يقوده دحلان، تزامن مع بروز اسمه في الساحة الفلسطينيّة خلال الأيّام الأخيرة، لا سيّما في اللقاء الذي جمع في 12 شباط/فبراير قيادة "حماس" برئاسة رئيس مكتبها السياسيّ إسماعيل هنيّة الذي يزور القاهرة، مع وفد مكوّن من أهمّ مساعدي دحلان بقيادة سمير المشهراوي، وناقش اللقاء التطورات السياسية للقضية الفلسطينية والوضع الإنساني الصعب في قطاع غزة، وبحث آليات التخفيف من معاناة أهل غزة، والتأكيد على أهمية الدور المصري في القضية الفلسطينية.

ذكر موقع "الجزيرة نت" القطري في 15 شباط/فبراير أن لقاء جمع هنيّة بدحلان، الذي وصل القاهرة قادما من دولة الإمارات تزامنا مع وصول وفد حماس للقاهرة يوم 9 فبراير، دون أن تؤكد أو تنفي مصادر هنية ودحلان حصول لقائهما، وقد سبق لقائد حماس بغزة يحيى السنوار أن التقى دحلان بالقاهرة في يونيو 2017.

وكشف عبد الحميد المصريّ، وهو أحد قادة تيّار دحلان، بتصريح لموقع "صوت فتح" التابع لدحلان في غزة يوم 30 كانون الثاني/يناير، عن مشاورات سياسيّة بين التيار الإصلاحي والقوى السياسية الفلسطينية بقطاع غزة لتشكيل لجنة إداريّة تنقذ غزّة من أزماتها المختلفة، وهي لجنة إداريّة وإنسانيّة بحتة وغير مناط بها أيّ دور سياسيّ.

لم تشهد غزة حتى اللحظة تطورات ملموسة حول تشكيل اللجنة التي تحدث عنها القيادي عبد الحميد المصري القريب من دحلان، لكن قطاع غزة شهد حراكا متلاحقا بالأسابيع الأخيرة حول أفكار مشابهة، فدعا عضو المكتب السياسي لحماس محمود الزهار يوم 21 فبراير لتشكيل حكومة إنقاذ وطني، وقبله طالب دحلان يوم 20 فبراير، القوى الفلسطينية بتشكيل قيادة إنقاذ وطني، وفي 1 فبراير تم الإعلان عن تشكيل مجلس إنقاذ غزة من بعض الأكاديميين والخبراء، برئاسة إبراهيم حبيب.

وقال أحمد يوسف، وهو المستشار السياسيّ السابق لهنيّة، لـ"المونيتور": "إنّ دحلان هو مكوّن وطنيّ، ويجتهد من خلال تيّاره للحفاظ على حضوره ضمن الخارطة السياسيّة الفلسطينيّة، وربّما لو قرّر تشكيل حزب جديد فسيكون الأمر أفضل لحماس، كي تتعاون معه من دون حساسيّة فتح وقيادتها بالضفّة الغربيّة. ورغم أنّه خصم سياسيّ لحماس، ويقف على رأس تيّار فتحاويّ عريض، لكنّ حماس ماضية نحو شراكة وطنيّة معه لإدارة قطاع غزّة، بجانب القوى والفصائل الفلسطينيّة".

خليل الحية عضو المكتب السياسي لحماس، الذي يزور القاهرة، قال لصحيفة الشروق المصرية يوم 19 فبراير، أن حماس ترى دحلان كأحد رجالات فلسطين، لأنه يريد خدمة شعبه، وحماس ترحب به، لأنه جلب مساعدات مالية من الإمارات العربية المتحدة لمساعدة غزة، ونحن نشكره، ونشكر الإمارات التي قدمت هذه المساعدات.

تزامن الحديث عن أنباء تشكيل حزب يقوده دحلان مع هجوم شنّه أمين سرّ اللجنة المركزيّة لـ"فتح" جبريل الرجوب في 19 شباط/فبراير على دحلان، ولومه لمصر لأنّها تدعمه، الأمر الذي دفع بمفوضيّة الإعلام التابعة لدحلان إلى نشر بيان في اليوم ذاته، اتّهم جبريل الرجوب بأنّه يتدخّل في شؤون مصر.

أمّا عضو المجلس الثوريّ لـ"فتح" ورئيس اللجنة السياسيّة في المجلس التشريعيّ الفلسطينيّ عبد الله عبد الله فقال لـ"المونيتور": "إنّ دحلان من حقّه أن يشكّل حزباً سياسيّاً بعيداً عن فتح، وقد يستطيع ذلك بسهولة، ويستقطب إليه من يشاء من كوادر الحركة تحت إغراء الأموال التي يحوزها دحلان، ويحصل عليها من بعض دول المنطقة، ولا حاجة لذكر أسمائها، لكنّ هذا الحزب لن يقوى على البقاء طويلاً، لأنّ فتح تعرّضت لانشقاقات تاريخيّة سابقة في سبعينيّات القرن الماضي وثمانينيّاته، ولم تستطع أن تزعزع قوّتها التنظيميّة، وكان نصيب المنشقّين الغياب عن الساحة".

شهدت فتح سلسلة انشقاقات، كان أخطرها ببيروت عام 1983،حين انشق بعض أعضاء لجنتها المركزية أبرزهم أبو صالح، سعيد مراغة، أبو خالد العملة، ودارت اشتباكات مسلحة ومعارك عسكرية بين قيادة فتح بزعامة ياسر عرفات وهؤلاء المنشقون، استمرت عدة سنوات داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين بلبنان حتى عام 1986.

ليست المرّة الأولى التي يتمّ فيها الحديث عن تشكيل دحلان لحزب سياسيّ جديد، فقد كشفت مصادر فلسطينيّة لموقع دنيا الوطن الذي يعمل بالضفة الغربية، في آذار/مارس من عام 2017 عن عزم دحلان تشكيل حزب سياسيّ جديد، نظراً لقناعته بعدم إمكانيّة عودته إلى صفوف الحركة أو نجاح مصالحته مع عبّاس.

وفي كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2015، تحدّثت أنباء صحافيّة عن جهود يبذلها دحلان لتشكيل حزب جديد يضمّ قادة كبار من "فتح" والسلطة الفلسطينيّة تربطهم علاقات سيّئة ومتوتّرة مع عبّاس، منهم رئيس الوزراء السابق سلام فيّاض، أمين السرّ السابق للجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير ياسر عبد ربّه، وعضوا اللجنة المركزيّة لـ"فتح" توفيق الطيراوي وسلطان أبو العينين، وتلقّى دحلان دعماً عربيّاً كبيراً من مصر والأردن ودولة الإمارات لتشكيل حزبه.

عضو باللجنة المركزية لفتح، أخفى هويته، قال "للمونيتور" أنه "رغم جهود دحلان في 2015 لإعلان حزبه، لكنه لم ير النور، بسبب عدم تشجع بعض الأسماء التي شاركته تحضيرات انطلاق الحزب، للخروج عن فتح بصورة انشقاق تنظيمي، وعدم رغبتها بقطع كل الخيوط مع الرئيس عباس، دون الحاجة لذكر هذه الأسماء".

وقال أستاذ القضيّة الفلسطينيّة في جامعة القدس المفتوحة والخبير بتاريخ "فتح" البروفيسور عصام عدوان لـ"المونيتور": "إنّ توجّه دحلان لتشكيل حزب سياسيّ بعيد عن فتح يعيد إلى الأذهان تجربة الحركة في الانشقاقات الداخليّة، فصحيح أنّ دحلان قد يكون مدعوماً من دولة الإمارات، لكنّه قد يتحوّل إلى حزب تابع بالكامل لها، وقد يكون دعماً موقّتاً لحظيّاً، بحيث لا يقوى المنشقّون لاحقاً على مجابهة التيّار الرئيسيّ في فتح التي يقودها عبّاس على المدى البعيد".

وأخيراً، لعلّ استمرار بقاء القطيعة بين دحلان وعبّاس حتّى اللحظة وعدم نجاح الوساطات العربيّة لمصالحتهما، يضعان دحلان أمام سيناريوهات محدودة، من بينها تشكيل الحزب السياسيّ الجديد، فاستمراره في معارضته لعبّاس من خارج "فتح" لن يثمر عن تغيير حقيقيّ، كما ثبت خلال السنوات الماضية منذ قطيعتهما.

ولعلّ وجود تراجع متواصل في علاقات عبّاس مع مصر والسعوديّة والإمارات، الدول الداعمة المركزيّة لدحلان، يشجّعه على تشكيل هذا الحزب، فمصر قد تدعمه سياسيّاً والإمارات والسعوديّة ماليّاً، فيما "حماس" قد تكون أكثر أريحيّة بتشكيل دحلان حزباً جديداً يخفّف عنها حرج التعامل معه حاليّاً، لأنّها قد تظهر كمن يشجّع على الانشقاق داخل "فتح".

لكنّ ذلك لا يعطي ضمانات بنجاح فرص تشكيل الحزب، إذ قد يظهر انشقاقاً عن "فتح"، الأمر الذي يظهر دحلان كمن يفتّت الحركة، فيما عبّاس يحافظ عليها.

عدنان أبو عامر
كاتب مساهم,  نبض فلسطين
رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

©2018 Al-Monitor. All rights reserved.