IRAQ PULSE


 

العراق يصدر أحكاماً قضائيّة من بينها الإعدام بحقّ أجنبيّات انتمين إلى "داعش"

بقلم: مصطفى سعدون
نشر مارس 5, 2018

بعد انتهاء العمليّات العسكريّة وإعلان تحرير العراق من تنظيم "داعش" في 9 كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2017، بدأ العراق يحاكم النساء غير العراقيّات المنتميات إلى تنظيم "داعش"، وتراوحت الأحكام بين المؤبّد والإعدام. وآخر تلك الأحكام، كانت في 25 شباط/فبراير من عام 2018، حيث أصدرت المحكمة الجنائيّة المركزيّة حكماً بإعدام 16 إمرأة يحملن الجنسيّة التركيّة، وفّرن الدعم اللوجستيّ لتنظيم "داعش".

النساء التركيّات اللواتي حكم عليهنّ بالإعدام لم يكنّ فقط يقدّمن المساعدات اللوجستيّة إلى عناصر تنظيم "داعش"، بل صرن أزواجاً لبعضها، وهذا يعني أنّ أحكاماً أخرى قد تصدر بحقّ زوجات عناصر التنظيم، وليس فقط المنتميات إليه، إذا ما كنّ قد شاركن في مساعدته أثناء القتال.

ويبدو أنّ لتركيا النصيب الأكبر من النساء اللواتي حكم عليهنّ بالإعدام، إذ في 19 شباط/فبراير من عام 2018، كانت المحكمة ذاتها (المحكمة الجنائيّة) قد أصدرت الحكم بإعدام تركيّة أخرى انتمت إلى "داعش"، ليصبح عدد التركيّات المحكوم عليهنّ بالإعدام 17 تركيّة.

ويواجه العراق الآن ضغوطاً من دول لديها مواطنات يحملن جنسيّاتها ويواجهن المحاكمات الآن في العراق، ومن أبرزها فرنسا التي أبدت في أكثر من مرّة مواقف مناهضة للمحاكمات التي تجري في العراق. وفي 30 كانون الثاني/يناير من عام 2018، هدّدت وزيرة العدل الفرنسيّة نيكول بيلوبي بالتدخّل إذا ما تعرّض أيّ من الفرنسيّين الذين يواجهون المحاكمات في العراق لعقوبة الإعدام.

وجاء تعليق نيكول بيلوبي، بعد أن أصدر القضاء العراقيّ في 22 كانون الثاني/يناير حكماً بإعدام ألمانيّة من أصول مغربيّة كانت قد انتمت إلى تنظيم "داعش"، وهذا الحكم ولّد مخاوف فرنسيّة عبّرت الحكومة عنها من خلال بيلوبي.

إنّ العراق ليس لديه أيّ قانون أو إتفاقيّة تنصّ على تسليم المتّهمين، بل هناك إتفاقات مع بعض البلدان حول تسليم المحكومين لقضاء فترة محكوميّتهم في بلدانهم، وحتّى هذه الإتفاقات، غير مفعّلة، ولم يبدأ العمل بها الآن. كما أنّها لا تخصّ الجرائم المتعلّقة بالإرهاب.

وتعمل منظّمات حقوقيّة فرنسيّة، منها الاتحاد الدوليّ لحقوق الإنسان ورابطة حقوق الإنسان الفرنسيّة، للتواصل مع الحكومة العراقيّة والضغط عليها من أجل نقل المتّهمين الفرنسيّين إلى فرنسا وإجراء المحاكمات هناك، خشية وجود "محاكمات غير عادلة" في العراق.

وقالت مسؤولة في منظّمة حقوقيّة فرنسيّة، غير مخوّلة بالتصريح، لـ"المونيتور": "نسعى إلى جلب الفرنسيّين ومحاكمتهم في باريس، فالحكومة العراقيّة غير قادرة على ضمان محاكمات عادلة لهم. كما أنّنا لا نتوقّع ذلك".

أضافت: "هناك 3 فرنسيّات سيواجهن المحاكمة خلال الفترة المقبلة، ونخشى أن تصدر الأحكام بحقهنّ قبل التوصّل إلى حلّ مع الحكومة العراقيّة، فنحن لسنا مع عقوبة الإعدام".

ولا تتطابق مساعي المنظّمات الحقوقيّة الفرنسيّة أو المنظّمات والحكومات الأخرى التي تريد إجراء محاكمات مواطنيها في بلدانها، رغم انتمائهم إلى "داعش" في العراق، مع الإختصاص المكانيّ الذي ينصّ عليه قانون العقوبات العراقيّ رقم 111 لسنة 1969، والذي يؤكّد عدم إمكانيّة إجراء المحاكمات للمتّهمين بارتكاب الجرائم في العراق، ببلدان أخرى. ولذا، لن تستطيع فرنسا والدول الأخرى محاكمة مواطنيها في بلدانها، لكنّها تستطيع استقبالهم لإكمال محكوميّاتهم هناك.

وأكّد ذلك فعليّاً موقف مكتب رئيس الحكومة العراقيّة حيدر العبادي، الذي قال عبر المتحدّث باسمه سعد الحديثي في 25 شباط/فبراير من عام 2018: إنّ الذين ارتكبوا الجرائم في العراق، لن يحاكموا في مكان آخر.

من جهته، أشار الباحث في شؤون الجماعات المتطرّفة هشام الهاشمي خلال مقابلة مع "المونيتور" إلى أنّ "هناك 509 إمرأة من جنسيّات أوروبيّة يواجهن المحاكمات في العراق، من بينهنّ 300 تركيّة"، وقال: "إنّ العراق لن يسلّم النساء المنتميات إلى داعش لدولهنّ قبل أن يحاكمهنّ، فبغداد ترغب في أن يقضين فترة محكوميتهنّ في بلدانهنّ، ويحاول العراق التواصل مع تلك البلدان حول الأمر، لكن يبدو أنّ الدول الأوروبيّة وتركيا لا ترغبان في عودتهنّ إلى هناك".

وفي خطوة مفاجئة اتّخذها العراق، سلّم في 22 شباط/فبراير من عام 2018، أربع نساء روسيّات إلى بلادهنّ، وبرّر ذلك بـأنهنّ "مغرّر بهنّ"، وسيحاكمن في بلدهنّ لدخولهنّ العراق بطريقة غير شرعيّة.

ويبدو أنّ العراق يسرع في أحكام الإعدام، التي يصدرها بحقّ النساء المنتميات إلى "داعش"، حتّى لا يتعرّض لأيّ ضغوط في ما بعد قد تنتج منها محاكمتهنّ في بلدانهنّ، أو الرضوخ إلى المطالب التي ترفض عقوبة الإعدام التي ما زال يطبّقها العراق في ظلّ رفضها من قبل دول ومنظّمات عدّة. وفي الوقت ذاته، فإنّ الحكومة العراقيّة لا تريد العمل عكس التيّار الشعبيّ في ما يخصّ المنتمين إلى "داعش"، وإذا ما أعلنت عن نقل أو التساهل في محاكمات بعض المنتمين، قد تواجه موجة غضب كبيرة تتحوّل في ما بعد إلى أزمة، خصوصاً إذا ما دعمت من أطراف لا تتّفق مع حكومة حيدر العبادي سياسيّاً.

إنّ الأحكام التي يصدرها القضاء العراقيّ بحقّ النساء المنتميات إلى "داعش" تكون وفق قانون مكافحة الإرهاب لسنة 2005، وهذه الأحكام قابلة للتمييز التلقائيّ في محكمة التمييز العراقيّة.

إنّ العراق سيبقى يواجه خلال الفترة المقبلة ضغوطاً من قبل بعض الدول، مثل تلك التي تحدّثت عنها بيلوبي عندما هدّدت بالتدخّل (من دون تحديد نوع التدخل) إذا ما حكم على نساء فرنسيّات قاتلن مع "داعش"، بالإعدام. وفي المحصّلة، فإنّ المصالح السياسيّة والعلاقات التي تربط العراق بالبلدان الأوروبيّة تحديداً، قد تتدخّل في عمل القضاء وتنتج عمليّات نقل لقسم من النساء اللواتي ينتمين إلى "داعش" ممّن لم تتورّط بالقيام بالأعمال الإرهابيّة مباشرة، خصوصاً أنّ هناك مساعي لذلك من قبل بعض الدول الأوروبيّة.

مصطفى سعدون
كاتب مساهم,  نبض العراق
مصطفى سعدون هو صحفي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان. عمل مراسلاً في مجلس النواب العراقي.

©2018 Al-Monitor. All rights reserved.