IRAQ PULSE


 

مستقبل مجهول لمهنة الصفارة في العراق... أسواق تندثر وحرفيّون ينحسرون

بقلم: وسيم باسم
نشر مارس 8, 2018

يشكو النحّاس محمّد حسن في سوق النحاس في منطقة باب الأغا في بغداد، من انحسار حركة الزبائن، وضعف تجارة المصنّعات النحاسيّة التي يصنعها بيده منذ نحو ثلاثين عاماً، وأغلبها مجسّمات تقلّد آثار العراق ورموزه التاريخيّة والوطنيّة، مثل النخلة، أسد بابل، مئذنة سامراء، والحدباء، التي نسفها تنظيم "داعش" في عام 2017.

لكنّ هذه المهنة التي تعود إلى العصر العبّاسيّ، وتحمل اسم معدن النحاس، حيث يعمل العاملون على تطويعه، بالمطارق والنار وتحويله إلى سلع مفيدة، "كانت في يوم من الأيّام، حاجة لا يستغنى عنها في توفير مستلزمات الحاجة اليوميّة من القدور وأدوات المطبخ والبيت مثل إبريق الشاي والماء، وصحون المائدة، والملاعق، والأكواب، والمساخن، والكؤوس، وإطارات الصور، والفوانيس النحاسيّة، فضلاً عن الأسلحة البيضاء مثل السكاكين والخناجر"، وفق حسن الذي تحدّث إلى "المونيتور" بحسرة، قائلاً: "لقد أجهز التطوّر في تقنيّات الصناعة على المهنة، وحوّلها إلى عمل يوفّر السلع الكماليّة فقط لأغراض الديكور والزينة".

هذه التفاصيل تنطبق تماماً على حال أسواق الصفافير في المدن الأخرى، التي تشترك كلّها في التهميش، لتنزوي دكاكينها التي تقلّصت أعدادها، في الأزقة الضيّقة الواقعة خلف الأسواق الحديثة. ففي بغداد، هناك سوق أعمال النحاس المنزوي خلف سوق السراي، وفي الناصريّة يكاد بازار النحاس يختفي إلى الأبد لولا بضعة ورش، وفي الموصل التي اشتهرت بسوق الصفّارين في منطقة السراي، عصف الزمن والأحداث، بهذه المهنة العريقة التي عرفت بها المدينة على نطاق واسع، وفي البصرة يقترب سوق موسى العطيّة ليصبح جزءاً من الماضي، فيما تقاوم محلّات الصفارة في النجف تحوّلها إلى ذكرى في تاريخ المدينة.

تلاشى سوق الصفّارين الشهير في بابل خلف المحلّات الحديثة، فيما "كان في يوم من الأيّام يعجّ بالزوّار والسائحين الذين يعرّجون عليه حين يزورون مدينة بابل التاريخيّة القريبة منه على مسافة عشرين كيلومتراً"، وفق الأسطة حيدر الخفاجي الذي قال لـ"المونيتور": "أعمل في هذه المهنة منذ أربعين عاماً، حين كان النحاس صاحب دور مهمّ في المجتمع لتوفير حاجات الناس، وكان له حضور اجتماعيّ وتجاريّ، وكانت لهذه الصناعة هويّتها الخاصّة بها، أمّا اليوم فقد اختلطت مع محلّات الحدادة وحاصرتها الدكاكين العصريّة".

يضيف حيدر: "عملنا اليوم يقتصر على صناعة الهدايا والتذكارات التي تصارع من أجل البقاء"، مشيراً إلى أنّ "الخوف من اندثار تقنيّات الصناعة وحرفيّيها بات جدّيّاً، في ظلّ غياب جيل جديد يحرص على تعلّم هذه المهنة".

تقول عضو لجنة الثقافة البرلمانيّة النائب ميسون الدملوجي لـ"المونيتور": "أهمّيّة هذه الأسواق لم تعد تجاريّة في توفيرها الحاجة اليوميّة من سلع النحاس، فقد انتهت تلك الحقبة وإلى الأبد، لكنّ الحفاظ عليها كتراث ومعلم حضاريّ وثقافيّ مهمّ جدّاً، لتعزيز هويّات المدن العراقيّة التي انحسر عنها الطابع التراثيّ، وتهدّمت أغلب البيوت والأحياء القديمة، بسبب سوء التخطيط وقلّة الوعي بأهمّيّة بقاء الرمز التاريخيّ".

وترجع الدملوجي أحد أسباب الاندثار إلى "قانون أصدرته وزارة الصحّة في خمسينيّات القرن الماضي يمنع استخدام الأواني النحاسيّة لأغراض الأكل، كونها تسبّب التسمّم".

السبب الآخر الذي تؤكّده الدملوجي، هو "الوضع الأمنيّ والسياسيّ غير المستقرّ في العراق، حيث خصّصت الدولة العراقيّة منذ تسعينيّات القرن الماضي، اقتصادها وميزانيّتها للحروب، لتغيب أيّ مشاريع تحافظ على التراث الثقافيّ".

 يتحدّث أستاذ التاريخ الحديث المتمرّس في جامعة الموصل الدكتور ابراهيم خليل العلاف إلى "المونيتور" عن سبب آخر لانحسار المهنة وهو "عدم قدرة أسواق الصفافير على الصمود، أمام البضاعة النحاسيّة الأجنبيّة وبأسعار زهيدة، التي تضخّ إلى الأسواق في صور مجسّمات لمعالم العراق التاريخيّة، الأمر الذي يكسبها رواجاً في السوق".

يتابع بالقول: "سوق الصفافير في الموصل اندثر تماماً".

ينظر العلاف بألم إلى انهيار تاريخ مدينته أمام عينيه، فيقول: "نحتاج إلى صيانة المعالم التراثيّة والتاريخيّة في شكل دوريّ ومنتظم، والاستفادة من التقنيّات الحديثة في الصيانة وتجارب الدول المتقدّمة في تخطيط المدن والأسواق".

يقول العلاف: "يجب أن تضع مديريّة التراث والآثار استراتيجيّة وطنيّة شاملة وتتعاون مع منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة الـ"ـيونسكو"، لأن سوق الصفافير في كلّ مدينة ليس سوقاً تجاريّاً بل متحفاً يحافظ على المهنة والسلعة اليدويّة".

في اتّصال لـ"المونيتور" معه، يؤكّد مدير إعلام وزارة الثقافة والمتحدّث الرسميّ باسمها عمران العبيدي أنّ الوزارة تعتبر صيانة سوق الصفافير خارج مسؤوليّتها بحسب القوانين والأنظمة المعمول بها، ويقول إنّ "إدامة سوق الصفافير هو مهمّة أمانة بغداد، وعملنا يقتصر على الاستشارة الفنّيّة"، معتبراً أنّ "أسواق الصفافير واجهة ثقافيّة تعرّف العالم بالعراق، فضلاً عن أنّها توثّق صنعة فولكلوريّة ومهارات نادرة توشك على الضياع".

وكشف العبيدي أنّ "الوزارة صنّفت شارع الرشيد حيث يقع السوق في نهايته منطقة تراثيّة، لذلك فإنّ أيّ تغيير في المباني، يستلزم رأي الوزارة"، مؤكّداً أنّ "أهمّيّة المحافظة على هويّة هذا السوق تكمن في كونه يختصّ في إنتاج التراثيّات".

إشارة العبيدي إلى مسؤوليّة أمانة بغداد جعل الاتّصال بها مهمّاً، لاستشراف مستقبل السوق، حيث يقول مدير الإعلام والعلاقات العامّة في الأمانة حكيم عبد الزهرة لـ"المونيتور إنّ "أمانة بغداد تحاسب المتجاوزين على الأماكن التراثيّة ولا تسمح بذلك، ولديها الخطط بالتنسيق مع هيئة التراث لتحديث البيوت والأسواق التراثيّة حال تحسّن الوضع الماليّ".

يتاجر أصحاب المصلحة في سوق الصفافير أيضاً بالسلعة المستوردة، ولم يعودوا يصنعونها بأيديهم، الأمر الذي يتسبّب في نهاية تراجيديّة لهذه المهنة التي تبدع في تصميم نحاسيّات فنّيّة على درجة عالية من الاتّقان والدقّة، ممّا يتطلّب مشاريع استراتيجيّة لإعادة إحيائها، ودعمها بالمال، وعدم السماح بتغيير معالم الأسواق، وتشجيع الجيل الجديد على اتّقان المهنة.

وسيم باسم
كاتب مساهم,  نبض العراق
وسيم باسم هو صحفي عراقي متخصص في متابعة الظواهر الاجتماعية من خلال التحقيقات والتقارير المنشورة في وسائل الإعلام المختلفة بما في ذلك الاسبوعية، باب نور وإيلاف.

©2018 Al-Monitor. All rights reserved.