PALESTINE PULSE


 

دعوات لتغيير آلية الأمم المتحدة لإعادة إعمار غزة

بقلم: عدنان أبو عامر
نشر مارس 5, 2018

أعلن المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، نيكولاي ميلادينوف، في بيانه يوم 15 فبراير، توصّل الفلسطينيين والإسرائيليين لاتفاق بشأن مراجعة آلية إعمار قطاع غزة المعمول بها منذ 2014، وإصلاح الأضرار الناجمة عن الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة في ذات العام.

كلام ملادينوف أعقب اجتماعا ثلاثيا شهدته رام الله يوم 14 فبراير، جمعه مع رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله، والمنسق الإسرائيلي للأنشطة الحكومية في الأراضي الفلسطينية الجنرال يوآف مردخاي، لمناقشة تخفيف القيود الإسرائيلية المفروضة على غزة، وتسريع إعادة إعمار غزة.

محمد أبو جياب، رئيس تحرير صحيفة الاقتصادية بغزة، قال "للمونيتور" أن "آلية إعادة إعمار غزة بعد مرور 3 سنوات عليها فشلت بهدفها، ولم تزد نسبة البناء عن 60% فقط، بل زادت من التحكم الإسرائيلي بها، وجعلت إسرائيل الآمر الناهي في كل ما يدخل غزة من معدات بناء، وهكذا تعطلت الآلية، وأضرت بالشركات الفلسطينية وكبدت الاقتصاد الفلسطيني خسائر بملايين الدولارات".

وكانت القاهرة قد استضافت في أكتوبر 2014 مؤتمرا لإعمار غزة، بمشاركة 50 دولة ومنظمة دولية، عقب الدمار الذي لحق بها جراء الحرب الإسرائيلية، وشهد إعلان تقديم خمسة مليارات دولار للفلسطينيين، خُصص منها 3.5 ملياراً لإعمار القطاع، حيث التزمت 28 دولة بتعهداتها كاملة، من أصل 53 دولة.

عاطف عدوان، رئيس اللجنة الاقتصادية في المجلس التشريعي، قال "للمونيتور" أن "حديث الأمم المتحدة عن تغيير آليتها لإعادة إعمار غزة، يعود لدوافع إسرائيلية، خشية منها من انفجار الأوضاع في غزة بسبب ضيق الحال وتراجع المستوى المعيشي، ولذلك قد تكون إسرائيل هي من ضغطت على المنظمة الدولية لتحسين ظروف إعادة إعمار غزة، ليس حبا في الفلسطينيين، وإشفاقا على حالهم، وإنما خوفا من حصول ثورة شعبية فلسطينية داخلية تتوجه مباشرة نحو إسرائيل، وهذا ما لا تريده".

ربما وصل المجتمع الدولي مؤخرا إلى قناعة راسخة بضرورة إعادة النظر بهذه الآلية، وإمكانية إلغائها، بحيث تسمح إسرائيل بإدخال كل مواد البناء لغزة، في ضوء تزايد احتجاجات الفلسطينيين على هذه الآلية، مما دفع بهم لتنظيم احتجاجات للمطالبة بإلغائها، وتزايد التقارير عن التباطؤ الحاصل في إعادة الإعمار.

عمر شعبان، رئيس مؤسسة بال ثينك للدراسات الإستراتيجية بغزة، قال "للمونيتور" أن "المطلوب إنهاء هذه الآلية وليس مراجعتها فقط، لأنها استبدلت الحصار الإسرائيلي على غزة بحصار أممي، هذه الآلية بطيئة ومكلفة يعمل فيها عشرات الخبراء الدوليين يتقاضون مكافآت خيالية، وبرامج محوسبة بكلفة طائلة لمراقبة أين يصل كيس الإسمنت الذي يدخل غزة، وضمان عدم استغلاله بأغراض أخرى من الفصائل الفلسطينية حسب المزاعم الإسرائيلية، وقد تحدثت للرئيس محمود عباس في اجتماع بمدينة رام الله يوم 17 سبتمبر 2014 عن خطورة القبول بهذه الآلية، لأنها فاشلة ومكلفة وغير وطنية، وبات مطلوبا وقف العمل بها كلياً، وليس مراجعتها فقط".

ودعت مؤسسات القطاع الخاص بغزة، ببيانها يوم 20 فبراير لإلغائها، ووصفتها بالعقيمة، وثبت فشلها على أرض الواقع، وساهمت بتعزيز حصار القطاع برعاية الأمم المتحدة، لأن كمية ما تم إدخاله من الإسمنت بين أكتوبر 2014 ونهاية ديسمبر 2017 لا تتجاوز 2 مليون طن، تمثل 30% من احتياج غزة خلال نفس الفترة، كما جاء في البيان.

موظف فلسطيني كبير يعمل بإحدى المؤسسات الدولية بغزة، أخفى هويته، قال "للمونيتور" أن "التذمر وعدم الرضا من آلية الأمم المتحدة دفع بعض الدول ومؤسسات أممية لرفض العمل من خلالها، دون الحاجة لذكر أسمائها، وفضلت الإشراف المباشر على برامجها في إعمار قطاع غزة، نتيجة التأخير الملحوظ في جداول تنفيذ مشروعاتها، علماً بأن هذه الآلية توسعت لتشمل طلبات البناء الفلسطينية الجديدة، ولم تعد محصورة على برامج إعادة إعمار ما دمرته الحروب الإسرائيلية فقط".

بعد مرور أكثر من ثلاثة سنوات على إقرار هذه الآلية، فإن إعادة الإعمار لم تتقدم بخطوات ملموسة نحو إعادة بناء فعلية وسريعة، من خلال فتح المعابر وتدفق المواد بالحجم المطلوب لإعادة البناء، لأن إسرائيل تضع رقابة صارمة على استعمال مواد البناء، الحصمة والاسمنت والحديد، التي يتم إدخالها لغزة لإعادة إعمار وبناء ما قامت بتدميره خلال حروبها المتكررة، للحيلولة دون استخدامها لتشييد أنفاق حماس، وتشترط تسهيل إعادة الإعمار بتسليم سلاح حماس.

المهندس نبيل أبو معيلق، الرئيس السابق لاتحاد المقاولين الفلسطينيين بغزة، قال أن "هناك مائة ألف وحدة سكنية تضررت خلال الحرب الأخيرة على غزة بين دمار كلي وجزئي، لكن مراجعة تلك الآلية أو إيجاد بديل لها سيفسح المجال لاستفادة 300 شركة فلسطينية للبناء والمقاولات، وتشغيل 70 ألف عامل فني ومهني في الإنشاءات، لأن هذه الآلية عقيمة ولا تنجز إعادة الإعمار، حيث توقفت 130 شركة تعمل مقاولات بفعل الآلية المتبعة والإجراءات الأمنية والفنية التي يسوّقها مراقبو برنامج إعادة الإعمار التابع للأمم المتحدة، ما يعني أن الآلية الحالية ستعمل على إطالة أمد عملية الاعمار 20 عاماً".

أخيراً.. ربما بات واضحا أن متطلبات إعادة إعمار غزة تتطلب إعادة النظر في آلية الأمم المتحدة المتبعة منذ أكثر من ثلاث سنوات، كونها خاضعة لإملاءات إسرائيلية، ويتهمها الفلسطينيون بمأسسة الحصار، وإطالة أمد عملية الإعمار لسنوات طويلة، ولذلك جاءت الدعوات الدولية الأخيرة بتوفير خطة بديلة، التي لا يعرف أحد مؤشراتها بعد، لكنها قد تأخذ بعين الاعتبار تحفظات الفلسطينيين، وتسرع بإعادة إعمار ما دمرته الحروب الإسرائيلية، بعكس البطء الذي واكب الآلية الحالية.

عدنان أبو عامر
كاتب مساهم,  نبض فلسطين
رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

©2018 Al-Monitor. All rights reserved.