RUSSIA PULSE


 

روسيا تدعو الأردن إلى المساعدة في تحقيق استقرار المناطق "الآمنة" في سوريا

بقلم: يري بارمن
نشر فبراير 20, 2018

إنّها المرة العشرين التي يزور فيها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني روسيا خلال الأعوام الـ 18 الأخيرة وكان ذلك الأسبوع الماضي. إلاّ أن الزيارة بعيدة كلّ البعد عن مجرّد اجتماع روتيني مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

تتسم العلاقات الثنائية بين البلدين بالمتانة منذ عقود. ولو كان تكرار المبادرات الدبلوماسية مؤشرًا، لتبيّن أن الأردن هو حليف موسكو الأقوى في الشرق الأوسط. إلاّ أنه وعلى الرغم من أن سجل التعاون مرموق بين البلدين وعلى الرغم من وجود نوع من الكيمياء بين الملك عبد الله وبوتين، لم يكن لعمان دورٌ بارزٌ في الاستراتيجية الروسيّة في شرق الأوسط، بما في ذلك في سوريا. ولكن، أمام التحدي الذي واجهته موسكو والمتمثل في كيفية إقامة مناطق عدم التصعيد في سوريا، وعلى الأخص تلك الواقعة على طول الحدود الأردنية، خضعت هذه المقاربة إلى عملية تقييمية العام الماضي. وتركّز الاهتمام بشكل رئيسي خلال الاجتماع بين الملك عبد الله وبوتين في 15 شباط / فبراير على الحاجة إلى التوصل إلى تسوية للحرب في سوريا، وعلى التحدي القديم المتمثل في التسوية الإسرائيلية - الفلسطينية والتي ازدادت تعقيدًا مؤخرًا.

تتناغم المصالح الروسية والأردنية في المنطقة بشكل فريد حاليًا، مما يسمح للطرفين بالبحث عن فرص تعاون تتخطّى حدود التفاعل الروتيني بين البلدين. وتحوّل الأردن إلى محور السياسة الروسية في جنوب سوريا عندما لعبت المملكة دورًا أساسيًا في عملية التفاوض حول منطقة خفض التصعيد التي تمتد عبر محافظتي القنيطرة ودرعا وتتاخم الحدود الإسرائيلية والأردنية. عبّر الملك خلال زيارته عن فخره بالحوار الثنائي الفاعل حول سوريا — وتشكل منطقة خفض التصعيد الجنوبية دليلًا على ذلك. يقوم البلدان منذ العام 2015 بتشغيل مركز مشترك في عمان يركّز على تبادل المعلومات الاستخبارية حول الأوضاع في المحافظات الجنوبية وتنسيق العمليات العسكرية. وبفضل مساهمة الملك، بات الاتفاق الروسي - الأمريكي حول إقامة منطقة خفض التصعيد عند الحدود الأردنية ممكنًا.

لا تملك روسيا والأردن بالضرورة وجهة النظر نفسها حول النزاع السوري، غير أن عمان كيّفت تدريجيًا موقفها من الحكومة السورية وذلك منذ الإعلان عن إقامة مناطق خفض التصعيد. وإضافة إلى أن المسؤولين الأردنيين ما عادوا يعتبرون الرئيس السوري بشار الأسد تهديدًا، هم يذهبون أيضًا إلى حد الإدعاء أن العلاقة بينهما عادت إلى مسارها السليم. وقد يسّر تفاهم جديد في الجنوب، حيث ما عاد الأردن يرى تهديدّا على حدوده، هذا التحسن في العلاقة بین دمشق وعمان كما يُزعم.

لقد كانت الخطة الروسية لإيلاء الأردن دور فاعل في تسوية الصراع السوري جزءًا من الاستراتيجية الآيلة إلى خلق بيئة — أو الإيهام بوجود بيئة — تسمح بتطبيع العلاقات بين الأسد وإحدى الدول العربية السنية وبقبولها به. ومن غير المستغرب ألاّ يكون الملك عبد الله محصّنًا ضد الخطة الروسية: فالغرب لم يعترف باستقبال الأردن الآجئين السوريين كما لم يفلح في تعزيز مقاومة قوية ضد الأسد في الجنوب. وقد دفعت هذه الأخطاء بعمان إلى البحث عن شركاء بديلين، فكانت روسيا جاهزة. وتسببت إعادة تموضع الملك عبد الله إلى جانب روسيا بتضاؤل دعمه تدريب المعارضة السورية على الأراضي الأردنية، ووقف الخطوة الولايات المتحدة التي طال انتظارها ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) انطلاقًا من الأراضي الأردنية في العام 2017.

لقد شكّل التصعيد الأخيرة بين إسرائيل وإيران في سوريا صدمة أربكت كل من روسيا والأردن. إن محاولات إيران امتحان قدرات خصمها في الجنوب ومطامع إسرائيل بتوسيع منطقتها العازلة في سوريا، تمثّل جميعها تهديدًا على منطقة خفض التصعيد. وقد شكّلت هذه الأوضاع محور البحث خلال الاجتماع بين بوتين والملك عبد الله، وذلك لأن تجدد حالة عدم الاستقرار في الجنوب لا يهدد بتقويض التقدم السياسي الذي تم احرازه في العام الماضي فحسب، وإنما يشكل أيضًا تحديًا أمنيًا أكثر تعقيدًا بالنسبة لكل من روسيا والأردن. ويمكن لساحة قتال بين الجيش السوري والمعارضة التي استمرت طويلًا أن تتحول إلى ساحة لحرب عصابات ضروس بين إسرائيل وإيران.

كما قد يُنذر الهجوم المستمر من قبل الحكومة السورية وإيران في الغوطة الشرقية — وهو انتهاك فاضح للاتفاقات — بالسوء بالنسبة لمنطقة خفض التصعيد في الجنوب، إذ ترى كل من الجبهة الجنوبية وإسرائيل الآن أن الخطوة المقبلة التي قد تقوم بها دمشق تتمثل في الاستيلاء على أراض جديدة. ولهذا السبب، تسعى إسرائيل إلى إقامة حاجز صدّ داخل سوريا وذلك من خلال تزويد جماعات المعارضة داخل منطقة خفض التصعيد بدعم مالي وعسكري. بات الوضع في المنطقة على شفير الهاوية، بعد أن دعا عدد من الفصائل إلى مهاجمة الأراضي الخاضعة للحكومة ردًا على الحملة في الغوطة الشرقية. وستنظر كلّ من إسرائيل والولايات المتحدة إلى أي عمل عسكري من قبل الحكومة السورية في الجنوب على أنه تجاوز للخط الأحمر.

إنّ هذا الشعور بالحاجة الملحة لمنع حدوث أي تهديد على الاتفاق الذي ترعاه روسيا والولايات المتحدة — وهو عنصر أساسي في خطة موسكو لتسوية الصراع — هو الذي جمع بين الملك عبد الله وبوتين. يكمن الغرض من إقامة منطقة خفض التصعيد في الجنوب في مساعدة روسيا على فك الارتباط العسكري تدريجيًا في المنطقة (ولو أبقت على مراكز المراقبة على حدود المنطقة)، ولعب دور الراعي للمحادثات حول نمط تعامل جديد بين إسرائيل وإيران. ولكن، يبقى ذلك وهمًا دون وجود منطقة تصعيد تحترمها جميع الأطراف. 

وتشعر موسكو بالارتياح كونها تلعب دور الوسيط في محادثات إسرائيلية - إيرانية، إلاّ أن انحصارها العسكري بين البلدين من شأنه أن يضعها على خلاف مع كل منهما. وبهدف منع أي دوامة عنف جديدة في الجنوب، تأمل روسيا أن يمارس الأردن نفوذه على الجبهة الجنوبية ليلعب دور حاجز الصدّ بين إسرائيل والقوات المدعومة من إيران، في الوقت الذي تسعى فيه موسكو إلى التوصّل إلى طريقة لتعايشهما في سوريا.

لقد ضعفت قدرة الأردن على التأثير على الثوار السوريين بشكل لافت مع تقلّص برامج التدريب والتمويل الأجنبي. يتعيّن على روسيا أن تكون شديدة الحذر في ما يتعلّق بمدى شراكتها مع إيران في جنوب سوريا، والذي لا بدّ أن يؤثر على علاقتها بإسرائيل وموقفها من دول العربية السنية. في هذا السياق، يصبح الأردن شريكًا تام الاختبار تقبله إيران وإسرائيل، ويحمل معه درجة من الاعتراف الأمريكي والعربي بالجهود الروسية، وهو ما كانت تناضل روسيا من أجله في سوريا.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • Archived articles
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

موقع المونيتور – قراءة تحليليّة للاتجاهات التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط.

©2018 Al-Monitor. All rights reserved.