تَقارُبٌ في العلاقات بين الأردن وتركيا

بقلم: أسامة الشريف
نشر فبراير 27, 2018

يعمل الأردن وتركيا على توطيد العلاقات بينهما في محاولة لتوحيد مواقفهما من التحدّيات الإقليميّة حيث يتشاركان في مصالح متبادلة، منها النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني والأزمة السورية. وقد استضاف العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني وزيرَ الخارجيّة التركي مولود جاويش أوغلو ورئيس هيئة الأركان في الجيش التركي، الجنرال خلوصي أكار، في زيارتَين منفصلتين إلى عمان في غضون يومَين، 19 و20 شباط/فبراير، على التوالي.

وفقاً لبيان صادر عن الديوان الملكي، اجتمع جاويش أوغلو بالعاهل الأردني للنظر في العلاقات الثنائيّة والتطوّرات الإقليميّة الأخيرة. وقد شدّد الملك على "حرصه على مواصلة التنسيق في المسائل ذات الأهمية بالنسبة إلى الأمّة الإسلامية، وعلى تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة". ناقش الجانبان أيضاً التعاون الاقتصادي والتجارة الثنائية؛ وقد أعلن جاويش أوغلو عن أنّ حكومته "ستُجري مراجعة لاتفاقيّة منطقة التّجارة الحرّة بين الأردن وتركيا من أجل تسهيل دخول الصّادرات الأردنيّة إلى تركيا". وأشار أيضاً إلى أنّ تركيا تتطلّع إلى استخدام "ميناء العقبة كمركز إقليمي للصّادرات التركيّة إلى أسواق متعدّدة، منها أفريقيا"، وفق ما نقلت عنه صحيفة "جوردان تايمز". وفي اليوم التالي، ناقش عبدالله وأكار التّعاون العسكري الثنائي والمعركة ضدّ الإرهاب، كما ورد في بيان الديوان الملكي.

قال جاويش أوغلو في لقاء مع مواطنين أتراك في عمان يوم 18 شباط/فبراير، إنّ الرّئيس رجب طيب أردوغان ينوي زيارة الأردن في المستقبل القريب. وتجدر الإشارة إلى أنّ آخر زيارة قام بها أردوغان إلى المملكة كانت في آب/أغسطس 2017، ثم زار عبدالله أنقرة في السادس من كانون الأول/ديسمبر الماضي، في اليوم الذي أعلن فيه الرّئيس الأميركي دونالد ترامب قراره الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركيّة من تل أبيب إلى القدس.

يلتقي أردوغان مع عبدالله في معارضتهما لقرار ترامب بشأن القدس. وفي 13 كانون الأول/ديسمبر، حضر العاهل الأردني جلسة خاصّة في اسطنبول لمنظّمة التّعاون الإسلامي أعلن فيها، إلى جانب أردوغان، معارضتهما لقرار ترامب.

يأتي تعزيز العلاقات الثنائيّة بين الأردن وتركيا في وقتٍ تُعيد عمان وأنقرة دوزنة مواقفهما غداة التطوّرات الإقليميّة الأخيرة، واستباقاً للتداعيات التي يمكن أن تترتّب عن خطّة ترامب من أجل السّلام في الشّرق الأوسط، والتي يُتوقَّع أن يتمّ الإعلان عنها في الأسابيع المقبلة. لم يصدر بعد أيّ ردّ فعل عن الدّولتَين حول الأنباء التي تحدّثت عن قيام وزارة الخارجيّة الأميركيّة بالتّسريع في إجراءات نقل السفارة الأميركيّة إلى القدس، والذي بات مقرّراً إنجازه في أيار/مايو 2018.

يبرز عبدالله من بين أشدّ المؤيّدين لحلّ الدولتَين باعتباره السّبيل الوحيد لتسوية النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، وهو ملتزم بالنهوض بدوره كصاحب الوصاية على المقدّسات الإسلاميّة والمسيحيّة في القدس الشرقيّة. وإنّ المسألتين قد تطالهما تداعيات خطّة ترامب للسّلام وسياسات الحكومة الائتلافيّة الإسرائيليّة المنتمية إلى اليمين المتشدّد.

يأتي انعطاف عبدالله إلى تركيا في وقتٍ يُبدي فيه الأردن قلقه إزاء استعداد بعض أبرز الدّول العربيّة ربّما لتبنّي خطّة ترامب، ولو كانت هذه الخطّة ترفض خيار الدّولتين. يسري اعتقادٌ في الأردن، تُحفّزه تصريحات السّعوديّين المناهضة لإيران، بأنّ الرياض تعتبر مسألة إيران تهديداً إقليميّاً أكثر أهميّة وإلحاحاً من النزاع العربي-الإسرائيلي. أمّا الموقف المصري فليس واضحاً، لكنّه سيؤدّي دوراً أساسيّاً في تحديد مصير خطّة السّلام الأميركيّة.

لا يخفى أنّ العلاقات بين عمان والرياض شهدت مزيداً من الفتور منذ قرار ترامب بشأن القدس. يقول محلّلون محليّون إنّ السّعوديّين جابهوا بالرّفض الدعوات التي أطلقتها عمان لعقد قمّة عربيّة طارئة حول القدس بعد الإعلان الأميركي. علاوةً على ذلك، لم تكن السّعودية راضية عن ردّ الفعل الأردني إزاء الخطوات التي باشرت بها الرياض اعتباراً من شهر حزيران/يونيو الماضي بهدف الضّغط على قطر وعزلها.

لم تقطع عمان علاقاتها بالدوحة، واختارت بدلاً من ذلك خفض العلاقات الدّبلوماسية معها، وإغلاق مكاتب الجزيرة لديها. ومن الأسباب الأخرى وراء الفتور في العلاقات بين الرياض وعمان، نذكر الموقف الأردني من الحرب في اليمن – كانت المشاركة الأردنيّة في التّحالف الذي تقوده السعودية رمزيّة ولم تدم طويلاً – والتودّد إلى "الإخوان المسلمين" الذين يحظون بتمثيل في البرلمان الأردني.

يحرص الأردن على تجنُّب أن يُنظَر إليه كمن ينضمّ إلى تكتّلات أو تحالفات إقليميّة. فعلى الرغم من العلاقات الوثيقة التي جمعت عمان تاريخياً بدول الخليج، لا سيّما السّعودية، لطالما اعتمد عبدالله سياسة مستقلّة تتجنّب الاستقطاب. والدّليل على ذلك حفاظ عمان على علاقات دبلوماسيّة منخفضة المستوى مع طهران، على الرّغم من رفضها للدّور الإيراني المثير للجدل في سوريا، والعراق واليمن. ونشير في هذا السّياق إلى أنّ عبدالله كان أوّل زعيم عربي يُحذّر من ظهور الهلال الشيعي، في العام 2004.

على ضوء مقاربة عبدالله للسّياسة الخارجيّة، سوف يتوخّى الأردن حذراً شديداً في إدارته للتقارب المتزايد في علاقاته مع تركيا، التي اصطفّت إلى جانب قطر في النزاع الخليجي. يتمتّع الطّرفان بمصالح مشتركة في ما ستؤول إليه الأزمة السّوريّة، ويدعم كلاهما الحقوق الفلسطينيّة وحلّ الدّولتَين. ويرتدي الدّعم القويّ الذي تقدّمه تركيا لدور الهاشميّين في القدس الشرقية قيمة معنويّة مهمّة.

لكن وفقاً للمحلّل السّياسي الأردني عامر السبايلة، يتأثّر كلّ من الأردن وتركيا بـ"السياسات الأميركيّة المضرّة في المنطقة". وفي هذا الصّدد، قال لموقع المونيتور: "[بالنّسبة إلى] الأردن، تتعلّق المسألة بعمليّة السّلام وتقويض ترامب لحلّ الدّولتَين، وبالنسبة إلى تركيا، المسألة المطروحة هي الدّعم الأميركي للأكراد في سوريا، والالتباس بشأن التوغّل التركي الأخير في شمال سوريا".

إلى جانب زيادة التّنسيق السّياسي، من شأن الأردن، الذي عانى اقتصادياً بسبب الأزمات في سوريا والعراق في الأعوام القليلة الماضية، أن يُفيد من تحسّن علاقاته التجارية مع تركيا. قال نائب رئيس الوزراء الأردني السابق جواد العناني، لموقع المونيتور، إنّ الاقتصاد التركي يحتلّ المرتبة الخامسة عشرة تقريباً بين الاقتصادات الأكبر حجماً في العالم، وإنّ المكانة السياسيّة والاقتصاديّة التي تتمتّع بها تركيا في المنطقة أمرٌ لا جدال فيه.

ولفت العناني إلى أنّ "توطيد العلاقات يأتي في مرحلة حسّاسة بالنّسبة إلى الأردن، نظراً إلى أنّ تركيا تشكّل سوقاً ضخمة للسّلع الأردنيّة، كما أنّها مصدر للسيّاح الوافدين إلى الأردن"، مضيفاً، "بعد زيارة جاويش أوغلو، أصدرت تركيا قراراً بإعفاء نحو خمسمئة سلعة أردنيّة من الرّسوم الجمركيّة، ما يُتيح فرصة كبرى للصّناعات المحليّة". وأشار إلى أنّ المنتجات التركيّة وكذلك المسلسلات التلفزيونيّة التركيّة تلقى رواجاً في الأردن، وإلى أنّ تركيا هي الوجهة السياحيّة الأولى للأردنيّين.

غير أنّ أردوغان لا يزال شخصيّة مثيرة للخلاف في أوساط الأردنيّين؛ فعددٌ كبير منهم يُبدي إعجابه به لوقوفه في وجه إسرائيل والولايات المتّحدة، وإعادة عقارب الثقافة العلمانيّة في تركيا إلى الوراء، في حين يعتبره آخرون ديماغوجياً ويرون فيه شخصاً انتهازياً في السّياسة. والمفارقة هي أنّ نظرة عبدالله إلى أردوغان لم تكن إيجابيّة على الدّوام، ففي نيسان/أبريل 2003، أوردت مجلة "ذي أتلانتيك" أنّ العاهل الأردني يرى أنّ أردوغان، الذي كان رئيساً لوزراء تركيا آنذاك، "يعمل فقط على ترويج نسخة أكثر ليونة من التشدّد الإسلامي"، ونقلت عنه قوله بأنّ أردوغان وصفَ له الدّيمقراطيّة كـ"الركوب في حافلة" – "عندما أصل إلى محطّتي، سوف أترجّل". لكن منذ ذلك الوقت، يبدو أنّ القائدَين أدركا أنه من الأفضل لهما أن يعملا معاً من أجل درء التحدّيات المشتركة في منطقتهما المضطربة.

©2018 Al-Monitor. All rights reserved.