نبض العراق

العراق يكافح للقضاء على عمليّات تهريب الآثار

p
بقلم
بإختصار
في الوقت، الّذي نجح فيه العراق باستعادة بعض الآثار المهرّبة، إلاّ أنّ عمليّات التّنقيب غير الشرعيّ وسرقة الآثار مستمرّة.

العراق، بغداد - أعلنت محكمة النزاهة العراقيّة في 30 آب/أغسطس من عام 2016 عن استرجاع رأس تمثال الملك سنطروق (حكم حدود ما بين ١٤٠ - ١٨٠ م)، وهو أحد الآثار البابليّة المهمّة والمقيّدة في سجلاّت المتحف العراقيّ للآثار، وسرِق منه في نيسان/إبريل من عام 2003. وفي الشهر نفسه، استعاد العراق نحو 483 قطعة أثريّة كان تنظيم "داعش" قد أعدّها لتهريبها من الأراضي العراقيّة.

كما كانت خطوة مهمّة في جهود إرجاع الآثار العراقيّة إلى موطنها، حين تعهّدت الولايات المتّحدة الأميركيّة في 22/08/2016 بـ"حماية آثار العراق، وعزمها استعادة المنهوب منها"، وفق ما صرّح به المستشار الأعلى في وزارة الخارجيّة الأميركيّة لشؤون التراث الثقافيّ العراقيّ جون راسل. وأكّد ذلك مصدر في السفارة الأميركية ببغداد، طلب عدم ذكر اسمه، إذ قال: إنّ التّعليمات الموجودة لدى السفارة في خصوص التّعامل مع حالات تهريب القطعات صارمة جدّاً، وإنّ الولايات المتّحدة جادّة جدّاً في منع هذه الظاهرة.

غير أنّ التقدّم الإيجابيّ في استعادة العراق لآثاره، التي اختفت من المتاحف والمواقع الأثريّة، تقابله مؤشّرات على استمرار أعمال التهريب في الموصل بشمال البلاد، لا سيّما بعد احتلال تنظيم "داعش" المدينة في 10 حزيران/يونيو من عام 2014، وفي ذي قار، (375 كلم جنوب العاصمة بغداد) أيضاً، حيث اعتُقل في 24 أيّار/مايو من عام 2016، اثنان من مهرّبي الآثار في حوزتهما مخطوطات وقطع أثريّة. واعترف وزير الخارجيّة العراقيّ إبراهيم الجعفري في 24 أيّار/مايو من عام 2016 بأنّ "العراق لا يزال يحتاج إلى الدعم الدوليّ للحدِّ من تهريب الآثار باعتباره جريمة دوليّة".

ورغم اعتقال مهرّب آثار في بغداد بـ20 كانون الثاني/يناير من عام 2016، وفي حوزته قطع أثريّة ومخطوطات قديمة، وقيام شخص عراقيّ في 31 أيّار/مايو من عام 2016 بمحاولة تهريب قطعة أثريّة عبر مطار النجف (جنوب) إلى إحدى الدول المجاورة، وأحبطت في 1 نيسان/إبريل من عام 2015 بمحافظة بابل (جنوب) عمليّة تهريب قطع أثريّة أثناء محاولة مهرّب عراقيّ تسليمها إلى امرأة أجنبيّة، فإنّ معدل عمليّات التهريب انخفض في شكل كبير قياساً إلى عام 2003، وهو العام الذي اجتاحت خلاله القوّات الأميركيّة العراق، وأسقطت نظام صدّام حسين، بحسب المدير العام للتحريّات في هيئة السياحة والآثار حيدر عبد الواحد، الّذي أكّد في بيان بـ17 شباط/فبراير من عام 2016 "تراجع عمليّات النبش العشوائيّ، التي كانت تتعرّض له المحافظات الجنوبيّة في العراق، بعد التعاون والتنسيق بين هيئة السياحة والآثار والقوّات الأمنيّة".

وعزّز وجهة النّظر هذه، مدير آثار بابل حسين فليح خلال حديثه لـ"المونيتور"، إذ قال: "إنّ التهريب يكاد ينعدم في مدينة بابل الأثريّة". أضاف: إنّ المديريّة بدأت بتأمين الحماية لآثار بورسيبا المترامية الأطراف في جنوب بابل منذ بداية عام 2016، وهو ما سيؤدّي إلى إنهاء أعمال التّنقيب غير الشرعيّة في المنطقة بشكل تامّ".

وفي محافظة ذي قار (جنوب)، قال باحث آثاريّ، فضّل عدم الكشف عن اسمه، لـ"المونيتور": إنّ المساحات الشاسعة للمواقع الأثريّة تحرس من قبل أفراد حمايات لا تتوافر لديها تقنيّات المراقبة والرصد الحديثة، وإنّما تقوم بأعمال حراسة بدائيّة". أضاف: إنّ المواقع الأثريّة في ذي قار تتعرّض إلى سرقة وعمليّة تنقيب غير شرعيّ بشكل مستمرّ إلى الآن، فيما لا توجد خطط حكوميّة واضحة لحماية المواقع".

وأحد أبرز أسباب استمرار التنقيب غير الشرعيّ عن الآثار وتهريبها، الأعداد الهائلة للمواقع الأثريّة في العراق، والتي تبلغ نحو 13 ألف موقع أثريّ بحسب ما أعلنته وزارة السياحة والآثار في 15 حزيران/يونيو من عام 2015، والتي لا تتناسب مع أعداد وأحجام الحمايات المتوافرة لها، بل هناك أماكن تاريخيّة مهمّة ما زالت من دون حماية أمنيّة كافية، حيث أظهرت جولة ميدانيّة لشرطة الآثار في 14 نيسان/إبريل من عام 2016 أنّ الكثير من القطع الأثرية متروك في العراء.

ولو توافر الوعي الآثاريّ لوجدت هذه المناطق التاريخيّة من يحميها حتّى مع قلّة الحمايات الأمنيّة لها، وهذا الأمر "لا يشمل العراق فحسب، بل دول عربيّة عدّة داهمتها الحروب مثل العراق، سوريا، ليبيا، واليمن"، وذلك بحسب تصريح أستاذ الآثار الإسلاميّة والقبطيّة في جامعة المنصورة المصريّة محمّد عبد اللطيف لوسائل الإعلام في 4 نيسان/إبريل من عام 2016، حيث قال أيضاً: "إنّ دولاً عربيّة تعرّضت إلى تدمير حضارتها بسبب الحروب والإرهاب".

إنّ السبيل للقضاء على التنقيب غير الشرعيّ للآثار، الذي هو مصدر تجارة المهرّبين لها، يتألّف من شقّين: الأوّل أمنيّ، حيث قال رئيس اللّجنة الأمنيّة في مجلس محافظة بابل فلاح عبد الكريم الخفاجي خلال حديثه لـ"المونيتور": "إنّ تهريب الآثار يرتبط بالفوضى الأمنيّة. وكلّما استقرّت الأوضاع انحسرت أعمال التنقيب غير الشرعيّة".

أضاف: "هناك حاجة ملحّة إلى التدبير الوقائيّ وفعاليّات أمنيّة استباقيّة لدرء عمليّات التهريب قبل وقوعها وإعتماد طرق الرصد والمراقبة الرقميّة الحديثة في المواقع الأثريّة، لا سيّما الرصد والمراقبة عبر الأقمار الإصطناعيّة، ودعم سكّان القرى قرب المواقع وتشجيعهم ماديّاً لحماية المواقع".

أمّأ الشقّ الثاني من الحلّ، فهو بزيادة الوعي الآثاريّ، حيث تلوح بالأفق خطوات مهمّة في طريقها للقضاء النهائيّ على عمليّات التهريب، مثل مشاريع نشر الوعي، كالذي أنتجه مكتب "اليونيسكو" في العراق من مقاطع فيديو بدعم الخارجيّة النرويجيّة في 12‏ آب/أغسطس من عام 2016 للتوعية على حماية التراث الثقافيّ العراقيّ.

وفي السياق الهادف إلى حماية الآثار ذاته، انطلقت "الحملة الوطنيّة لحماية الآثار العراقيّة" من قبل ناشطين ومتطوّعين، ودعت إلى التنسيق مع وزارة الخارجيّة من أجل رصد بيع الآثار العراقيّة في المزادات العالميّة.

وجد في : smuggling, is, cultural heritage, babylon, babil, archaeology, antiquities

عدنان أبو زيد مؤلف وصحافي عراقي. وهو حاصل على درجة في الهندسة التكنولوجية من العراق وعلى شهادة البكالوريوس في تقنيات وسائل الإعلام من هولندا.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X