لماذا العراق لا ينتفع من السياحة الدينية؟

لم ينجح العراق إلى الآن في تسخير الزيارات الدينيّة لخدمة الإقتصاد وتطوير الأماكن المقدّسة، مثلما استثمرت السعوديّة واردات الحجّ لتطوير مكّة.

al-monitor .

المواضيع

transportation, tourism, shiites, religious tourism, mecca, karbala, iraqi economy

سبت 26, 2016

بغداد، العراق - تزداد في كلّ عام أعداد الزوّار إلى الأماكن الدينيّة في العراق. وفي هذا العام، كانت للحدث أهميّة كبيرة، فبعد أن تعذّر على المسلمين الشيعة في إيران زيارة مكّة المكرّمة لأداء فريضة الحجّ، بسبب الخلاف السعوديّ - الإيرانيّ، توجّهوا مع أعداد كبيرة من الزوّار لأداء "زيارة عرفة" عند مرقد الإمام الحسين في مدينة كربلاء، حتّى وصلت أعداد الزوّار إلى نحو مليون زائر في أيلول/سبتمبر من عام 2016.

وقد وصل الاهتمام بهذه الزيارات المليونيّة للعراق، إلى الحدّ الذي قالت فيه وسائل إعلام إنّ "كربلاء الخيار البديل لمكّة"، وهو أمر يثير التساؤل عن مدى قدرة العراق على توظيف الإرتفاع الكبير في أعداد الزوّار في خدمة إقتصاده، وهو الذي لم يستطع منذ 12 عاماً فرض الضرائب أو الرسوم على القادمين إلى البلاد للزيارات الدينيّة، رغم تزايد المؤشّرات في آب/أغسطس من عام 2016 حول نمو تدريجيّ في قطاع السياحة العراقيّة من بوّابة المعالم الدينيّة والأثريّة.

لكنّ هذا النمو، لم يثبت على وتيرة واحدة تكفل له النجاح في استيعاب الأعداد الهائلة من الزوّار، بحسب الخبير الإقتصاديّ والأكاديميّ في جامعة بغداد ميثم لعيبي في حديثه لـ"المونيتور"، حيث قال: "إنّ العراق لم يتمكّن حتّى اللّحظة من توظيف العتبات الدينيّة وإدماجها في نشاطه السياحيّ المدر للدخل، وذلك بسبب العقليّة الإداريّة التي تتّسم بالبذخ بالإنفاق على هذه المراسم ومن موازنة الدولة، بدل استثمار وفود أعداد كبيرة لهذه الأماكن من الداخل والخارج".

وأشار إلى أنّه "في زمن الفورة النفطيّة والمردودات الماليّة الكبيرة، استخدمت السيّارات الحكوميّة في الزيارات، وتمّ توزيع مبالغ كبيرة على المواكب الدينيّة، فيما لم يتمّ استحصال رسوم دخول إلى العراق".

وفي خضم الخوض في الصعوبات أمام تطوير السياحة الدينيّة، قال الموظّف في "ا‎لأمانة الخاصّة لمزار الإمام الحمزة" ببابل الأكاديميّ أحمد صلال لـ"المونيتور": "إنّ عدم الاستقرار الأمنيّ هو العائق الأكبر أمام جعل الأماكن الدينيّة تضاهي بإيراداتها مثيلتها في السعوديّة". أضاف: "إنّ قطاع السياحة هو الضحيّة الأولى للحال الأمنيّة المتردّية بسبب الحرب على الإرهاب".

وبالفعل، فانّ الأمن لم يتحوّل إلى حال دائمة حتّى في المناطق الدينيّة الهادئة نسبيّاً مثل كربلاء. ففي 29 آب/أغسطس من عام 2016، شهدت مدينة كربلاء هجوماً وصفته الجهات الأمنيّة بـ"الإرهابيّ" على منطقة "عين التمر"، وأسفر عن 15 قتيلاً.

والمعضلة الأخرى أمام استيعاب الأعداد الهائلة من الزوّار، الخدمات الطبيّة التي ما زالت دون المطلوب، ويُنبئ عن ذلك إعلان دائرة الصحّة في كربلاء بـ3ـ كانون الثاني/يناير من عام 2016 عن "توقّف المشاريع بسبب الأزمة الماليّة".

ومقارنة بمكّة في السعوديّة التي أنفقت نحو 9 مليارات دولار على مشروع "مترو مكّة" ودشّنت خدمة رقميّة متطوّرة، وهي توزيع أساور إلكترونيّة في عام 2016 على الحجّاج تعتبر بمثابة بطاقات لـ"قطار المشاعر"، الذي ينقل الحجّاج إلى 4 أماكن مقدّسة، بدلاً من 12 ألف حافلة، وتوفير كلّ المستلزمات من غذاء ودواء، فإنّ زوّار كربلاء لا يزالون يعانون من انقطاع الطرق، وقد اضطرّ ذلك وزير النقل إلى الإعتذار منهم بسبب سوء خدمات المواصلات. وما زالت تشكو كربلاء أيضاً من تردّي الطاقة الكهربائيّة، حال المدن الأخرى، ومن ضمنها تلك التي تضمّ المراقد الدينيّة.

وفي هذا الإطار، قال أحد أصحاب الفنادق في كربلاء علي الموسوي لـ"المونيتور": "إنّ القطاع الخاص هو الذي يوفّر الخدمات للزوّار، رغم قلّة الدعم الحكوميّ، وإنّ أغلبيّة المرافق والمنشآت تعود إلى هذا القطاع الذي يحتاج إلى تنميته وتطويره عبر تشجيع الاستثمار".

ولعلّ حديث علي الموسوي كشف عن حقيقة أنّ القطاع الخاص، رغم ريادته، إلاّ أنّه المستفيد الأوّل من الزيارات الدينيّة، فيما لا تصب هذه الإيرادات في خزينة الدولة لأنّ القانون لا يفرض الضرائب على قطاع السياحة الدينيّة في العراق. وبسبب ذلك، عصفت الأزمة الماليّة في البلاد بقطاع السياحة الدينيّة في العراق.

وإنّ إخراج السياحة الدينيّة من نفق هذه الأزمة الماليّة، كما رأى رئيس قسم الإقتصاد في صحيفة "الصباح" العراقيّة الإعلاميّ والباحث حسين ثغب في حديثه لـ"المونيتور"، يكون في "تنظيم مفاصل السياحة الدينيّة بالشكل الذي يتناغم والإهتمام المحليّ والدوليّ لها، حيث توجد مراقد دينيّة يقصدها ملايين البشر سنويّاً، ولكن في المقابل لا تحقّق أيّ إيراد يذكر للموازنة الإتحاديّة".

كما دعا حسين ثغب إلى "توفير بنى تحتيّة تتناسب والمعدّلات المرتفعة لأعداد الزوّار، حيث الحاجة إلى أسواق ومطاعم ومناطق ترفيهيّة، فضلاً عن شبكة مواصلات حديثة وفنادق على مستوى عال من الخدمة وشركات سياحيّة توفّر متطلّبات السائح من دليل سياحيّ واتّصالات متطوّرة".

 وتتطابق مقترحات ثغب في ما يتعلّق بالإيرادات مع دعوة رئيس لجنة السياحة في البرلمان، الحكومة في 2 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2015 إلى المطالبة بفرض ضريبة تبلغ 25 دولاراً على كلّ زائر، ممّا يساهم في توفير موارد ماليّة إضافيّة للبلاد. وكجزء من الحلول المستقبليّة، استعدّت هيئة السياحة في 12 تمّوز/يوليو من عام 2016 لكتابة استراتيجيّة تطوير السياحة الدينيّة لإكمال خارطة الطريق لجعل العراق واجهة سياحيّة من الطراز الأوّل.

من الأهميّة في مكان "عدم جعل السياحة الدينيّة في العراق طائفيّة"، وفق ما قاله النائب في البرلمان العراقيّ عامر الفائز في حديثه لـ"المونيتور"، حيث أشار إلى أنّ "العراق يضمّ أماكن دينيّة لمختلف الطوائف الإسلاميّة وغير الإسلاميّة، وهذا يجعل السياحة غير محصورة بالمراقد الشيعيّة فقط، على عكس السعوديّة حيث السياحة فيها تخصّ المسلمين فقط".

واعتبر عامر الفائز أنّ "فتح الأبواب أمام المستثمرين وتسهيل عملهم من أجل تطوير البنى التحتيّة، سوف ينقل العراق إلى مصاف الدول التي تستفيد ماليّاً من الوافدين لزيارة الأماكن الدينيّة، كما هي الحال في السعوديّة، حيث مكّنها المردود الماديّ من تطوير الأماكن الإسلاميّة المتعلّقة بالحجّ".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض العراق

al-monitor
هل انتهى التحالف "السرياليّ" بين المدنيّين والصدر؟
عمر ستار | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | فبر 19, 2020
al-monitor
ضغوط سياسيّة تهدّد بالإطاحة برئيس الوزراء المكلّف قبل تشكيل حكومته
عمر ستار | الانتخابات العراقية | فبر 18, 2020
al-monitor
مظاهرات نسويّة حاشدة تغطّي شوارع بغداد باللونين الورديّ والبنفسجيّ
Lujain Elbaldawi | حقوق المرأة | فبر 14, 2020
al-monitor
لماذا قانون الانتخابات العراقي الجديد لم يتم التصديق عليه بعد؟
عمر الجفال | المحاكم والقانون | فبر 14, 2020