الصدريّون يهتفون ضدّ إيران داخل المنطقة الخضراء

إنّ ظهور العامل السياسيّ من المغطس الطائفيّ يعدّ تطوّراً مهمّاً في الوعي السياسيّ للطائفة الشيعيّة، وقد ظهر هذا العامل نتيجة لتعامل إيران مع الشأن العراقيّ بطريقة منحازة ومتعالية.

al-monitor .

المواضيع

shiites, sectarianism, sadrist movement, muqtada al-sadr, iran-iraq relations, is

ماي 12, 2016

في الليلة الأخيرة من نيسان/أبريل، تجمّعت الجماهير الحاشدة التي اقتحمت المنطقة الخضراء في ساحة الاحتفالات الكبرى الواقعة داخل المنطقة، هاتفة بأصوات عالية: "إيران برّه برّه"، "يا قاسم سليماني... هذا الصدر ربّاني"، في إشارة إلى زعيم التيّار الصدريّ مقتدى الصدر.

هذا الحدث يشير إلى اعادة احياء مشاعر شقّت طريقها داخل الوجدان الشيعيّ، وإلى وجود مواقف سياسيّة معادية للسياسة الإيرانيّة المعلنة في العراق منذ عام 2003.

من المفهوم وجود مشاعر كراهية لإيران سائدة في المجتمع السنيّ العراقيّ من منطلقات مذهبيّة متأثّرة بالصراع الطائفيّ القائم في المنطقة، فضلاً عن وجود مشاعر معادية لإيران من منطلقات قوميّة عربيّة معادية للقوميّة الفارسيّة، تجلّت بوضوح في زمن النظام السابق، إلّا أنّ حدث ساحة الاحتفالات الكبرى يشير إلى أسباب غير نمطيّة لظهور مثل هذه المشاعر بين الوسط الشيعيّ الذي يفترض عادة انتماؤه إلى المخيّم الإيرانيّ في الصراع الإقليميّ القائم.

إنّ ظهور العامل السياسيّ من المغطس الطائفيّ يعدّ تطوّراً مهمّاً في الوعيّ السياسيّ للطائفة الشيعيّة، وقد ظهر هذا العامل نتيجة لتعامل إيران مع الشأن العراقيّ بطريقة منحازة ومتعالية بعد سقوط نظام البعث. وأشار بعض الأحداث إلى تنامي نقد المواقف الإيرانيّة داخل زعامات دينيّة وسياسيّة شيعيّة عراقيّة.

ففي الردّ على تصريحات مستشار الرئيس الإيرانيّ علي يونسي في 8 آذار/مارس 2015 الذي اعتبر العراق جزءاً من الحضارة الإيرانيّة العظمى، قال المتحدّث باسم المرجع الدينيّ الشيعيّ الأعلى علي السيستاني السيد أحمد الصافي في 13 آذار/مارس 2015: "إنّنا نعتزّ بوطننا وهويّتنا واستقلالنا وسيادتنا، وإذا كنّا نرحّب بأيّ مساعدة تقدّم إلينا من إخواننا وأصدقائنا لمحاربة الإرهاب، فإنّ ذلك لا يعني في أيّ من الأحوال غضّ الطرف عن هويّتنا، فنحن نكتب تاريخنا بأرواح أبنائنا ودمائهم وجراحهم في معارك ضدّ الإرهاب امتزجت فيها دماء العراقيّين من كلّ مكوّناتهم وقوميّاتهم". وفنّد المتحدّث باسم السيستاني كذلك الطموحات الإيرانيّة، معتبراً أنّ العراق سيكون كما كان دائماً منيعاً إزاء أيّ محاولة لتغيير هويّته وتبديل تراثه وتزييف تاريخه.

وفي موقف مشابه، انتقد مقتدى الصدر في مقابلة مع جريدة الحياة في 21 كانون الأوّل/ديسمبر 2013 الدور الإيرانيّ في العراق، معتبراً قاسم سليماني "الرجل الأقوى في العراق"، والذي يطبّق أجندات إيرانيّة فيه، وأضاف أنّه في خلاف مع الإيرانيّين "في بعض الأمور الجوهريّة".

وفي موقف آخر، صرّح المتحدّث الرسميّ باسم مقتدى الصدر، الشيخ صلاح العبيدي في مقابلة مع قناة المدى العراقيّة في 26 شباط/فبراير: "السيّد مقتدى يرفض أن يعبّر الإيرانيّون بالنيابة عن شيعة العراق". وقال إنّ الصدر قد أوضح في أكثر من مناسبة بأنّنا "مع إيران لجهّتها دولة جارة نحترمها ولكن لا نقبل تدخّلها في شأننا الداخليّ في شكل تفصيليّ". وأضاف في شأن المواقف الأخيرة للصدر في دعم المظاهرات والاعتصامات أنّ "الإيرانيّين يحذّرون من خطوات مقتدى الصدر الحاليّة... ويشكون من أنّه يتّخذ قرارات بلا مشورتهم، وأنّه لا يستجيب إلى نصائحهم، وأنّه يفاجئهم دائماً بقرارات تحرجهم".

إزاء ذلك، جاء في بيان للّجنة المشرفة على حركة الاحتجاجات للتيّار الصدريّ في 13 آذار/مارس الماضي، اسم مقتدى الصدر بعنوان "القائد العربيّ"، ممّا يشير إلى محاولة الصدر عزل نفسه عن الأجندات الإيرانيّة.

ويعتبر المنتقدون للدور الإيرانيّ في العراق أنّ إيران تقوم باحتضان الأحزاب الشيعيّة التي تورّطت بالفساد والفشل في إدارتها للحكومة العراقيّة خلال سنوات ما بعد عام 2003 ودعمها، كما أنّها تتعامل مع العراق وفقاً للتقسيم الطائفيّ المتجذّر منذ عام 2003، وهذا يعزّز الشرخ الطائفيّ بين مكوّنات الشعب الواحد.

ففي منشور له في صفحته على موقع التواصل الاجتماعيّ، رأى أحمد عبد الحسين، وهو من القيادات المدنيّة للمظاهرات والمتّحدة مع التيّار الصدريّ أنّ "إصرار إيران على احتضان اللقطاء الفاسدين من اللصوص، ودفاعها المستميت عنهم، وتعضيدهم في الأزمات، والتستّر على كوارث فسادهم وفشلهم، كلّ ذلك سيشكّل أدبيّات كراهية العراقيّين لإيران، إذا استمرّت في تبنّيها أطفال السوء هؤلاء".

إزاء ذلك، يأخذ المدافعون عن الدور الإيرانيّ في العراق على المنتقدين له، بأنّ إيران قدّمت للعراق مساعدات كبيرة في حربه ضدّ الإرهاب، وخصوصاً في القتال ضدّ "داعش" في السنتين الأخيرتين. ويصنّف هؤلاء المدافعون ضمن التنظيمات السياسيّة والعسكريّة الشيعيّة التي تأسّست على يدّ الإيرانيّين، وتتلقّى دعماً مباشراً منها، مثل منظّمة بدر بقيادة هادي العامري، بينما يشكّل المنتقدون لإيران، التنظيمات الشيعيّة ذات العمق العراقيّ الداخليّ، مثل التيّار الصدري.

بيد أنّ الكثيرين باتوا يدركون أنّ المساعدات الإيرانيّة للعراق تصبّ في مصلحة الأمن والاقتصاد الإيرانيّ أوّلاً، فهي ليست هبات مجانيّة تقدّم من جارة إلى جارتها. وكان "المونيتور" قد نشر تقريراً في شباط/فبراير 2014 عن نيّة العراق عقد صفقة شراء أسلحة من إيران. وقام العراق لاحقاً بتوقيع اتّفاقيّة أمنيّة مع إيران تتضمّن صفقات أسلحة في كانون الأوّل/ديسمبر 2014. وللاطّلاع على جزئيّات الأمر، تحدّث "المونيتور" مع مصدر في المديريّة العامّة للتسليح والتجهيز التابعة إلى وزارة الدفاع العراقيّة طلب عدم نشر اسمه، حيث قال إنّ الصفقات الجارية مع إيران مقابل ثمن، وهي ليست بالضرورة اقتصاديّة ولصالح العراق، فبعضها أسلحة روسيّة مصنّعة من قبل إيران والعراق يشتريها منها بثمن أغلى من النسخة الروسيّة الأصليّة، فضلاً عن ذلك فإنّ دحر تنظيم "داعش" في العراق يبعد خطره عن الحدود الإيرانيّة، وعليه فإنّ مساعدات إيران للعراق تصبّ في مصلحة الأمن القوميّ الإيرانيّ كذلك.

وأخيراً، يرى شيعة العراق أنّ إيران عمق استراتيجيّ يمكن أن يحتموا به في ظلّ التهديد الطائفيّ الموجّه ضدّهم من قبل الأنظمة العربيّة السنيّة، إلّا أنّ قوى مهمّة منهم تستنكر قيام إيران استخدام العراق أداة في صراعها مع منافسيها الإقليميّين مثل السعوديّة وتركيا أو الدوليّين مثل أميركا، ودرءاً لأيّ التباس يرون أنّ خلافهم مع إيران يندرج ضمن مبدأ الاحترام المتبادل ومراعاة المصالح المشتركة على حدّ سواء.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض العراق

al-monitor
هل انتهى التحالف "السرياليّ" بين المدنيّين والصدر؟
عمر ستار | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | فبر 19, 2020
al-monitor
ضغوط سياسيّة تهدّد بالإطاحة برئيس الوزراء المكلّف قبل تشكيل حكومته
عمر ستار | الانتخابات العراقية | فبر 18, 2020
al-monitor
مظاهرات نسويّة حاشدة تغطّي شوارع بغداد باللونين الورديّ والبنفسجيّ
Lujain Elbaldawi | حقوق المرأة | فبر 14, 2020
al-monitor
لماذا قانون الانتخابات العراقي الجديد لم يتم التصديق عليه بعد؟
عمر الجفال | المحاكم والقانون | فبر 14, 2020