نبض فلسطين

إسرائيل تطرد العمّال الفلسطينيّين وتستعين بالأردنيّين

p
بقلم
بإختصار
تواصل إسرائيل إجراءاتها لمواجهة العمليّات الفلسطينيّة، الّتي شملت طرد آلاف الفلسطينيّين من أماكن أعمالهم داخل إسرائيل ووقف إصدار تصاريح عمل لهم، خشية انخراطهم في عمليّات تستهدف الإسرائيليّين. وفي الوقت ذاته، بدأت تستعين بعمال أردنيّين بدلاء لهم، ممّا أثار ضجّة في الأوساط الفلسطينيّة بسبب ما يعتبرونه تطبيعاً أردنيّاً مع إسرائيل، ومزاحمة من العمّال الأردنيّين لمصادر دخل الفلسطينيّين المحدودة.

في مواجهتها لمواصلة العمليّات الفلسطينيّة المتواصلة، اتّخذت إسرائيل في 21 تشرين الأوّل/أكتوبر سلسلة خطوات عقابيّة ضدّ الفلسطينيّين، منها منع العمّال الفلسطينيّين من الإلتحاق بأماكن عملهم داخل إسرائيل ووقف إصدار تصاريح جديدة لعمّال جدد، وتهديد وزير المواصلات الإسرائيلي "يسرائيل كاتس" يوم 4 تشرين أول/ أكتوبر بسحب أكثر من 100 ألف تصريح، مع أنّ هذه القرارات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية تأتي مخالفة لتوجّهات أجهزة الأمن الإسرائيليّة، خاصة جهاز الأمن العام الشاباك الّتي طالبت في 26 تشرين الثاني/نوفمبر بمنح تصاريح عمل إضافيّة للفلسطينيّين، وعدم زيادة البطالة في صفوفهم كي لا ينضمّون إلى صفوف منفّذي العمليّات ضدّ الإسرائيليّين.

العمالة البديلة

وفي هذا الوقت بالذات، أعلنت إذاعة صوت إسرائيل في 2 كانون الأوّل/ديسمبر، ارتفاع عدد العمّال الأردنيّين في إسرائيل من 150 إلى 500 عامل بنهاية العام الحاليّ، تمهيداً من وزارة العمل الإسرائيلية لاستقدام 4 آلاف عامل أردنيّ في الفترة القادمة، وإنّ توافد العمالة الأردنيّة الوافدة إلى إسرائيل يتزامن مع صدور تقرير دائرة الإحصاءات العامّة الأردنيّة في 24 تشرين الأوّل/أكتوبر، الّذي أشار إلى ارتفاع معدّل البطالة بنسبة 13.8 في المئة بين العمال الأردنيين في الأردن، مع استحواذ العمالة الوافدة على 50 في المئة من فرص سوق العمل الأردنيّ، ممّا يطرح السؤال على صانع القرار الأردنيّ: كيف يصدّر عمالة أردنيّة إلى إسرائيل، فيما يستورد عمالة أجنبيّة داخل بلاده، وما السبب في إقدامه على هذه الخطوة؟

وفي هذا السّياق، أشار النائب السابق لرئيس لجنة مجابهة التّطبيع مع إسرائيل في الأردن ميسرة ملص لـ"المونيتور" إلى أنّ "العمّال الأردنيّين الّذين يعملون في إسرائيل يشعرون بأنّهم يقومون بشيء سيء، وهم حريصون على ألاّ يكشفوا ذلك للآخرين، رغم أن بعضهم قد يتذرع بعدم وجود فرص عمل داخل الأردن، وارتفاع نسبة البطالة، وإن كنّا نتفهّم رغبة العمّال الفلسطينيّين في العمل داخل إسرائيل، فلأنّها تحتلّهم، وليست لديهم خيارات تشغيليّة أخرى، لكنّ الحكومة الأردنيّة مسؤولة عن حصول هذه الخطوة المستنكرة من النقابات الأردنيّة، لأنّ حكومة الأردن تنسّق مع إسرائيل على مختلف المستويات الاقتصادية والأمنيّة والسياسيّة، وليس معقولاً ان يعمل العمال الأردنيون في إسرائيل دون علم الحكومة الأردنية، حتى لو أعلنت عدم علمها بذلك، ويبدو هذا غير مقنع".

وكان ملفتاً أن يعلن الأمين العام لوزارة العمل الأردنيّة حمادة أبو نجمة في 22 تشرين الثاني/نوفمبر، عدم مسؤوليّة الوزارة عن وصول العمّال الأردنيّين إلى إسرائيل، فالأمر من اختصاص منطقة العقبة الإقتصاديّة، التي تأسست عام 2001، من قبل الحكومة الأردنية، كمقصد استثماري وسياحي عالمي، وتتطلع للوصول لمستوى متطور على الصعيد الوطني والإقليمي والعالمي، من خلال التميز بالخدمات المقدمة وجاهزية البنى التحتية مما سيساهم على جذب وتنفيذ الاستثمارات المتنوعة ودفع عجلة الاقتصاد الوطني، وقد نفت بدورها في 2 تشرين الثاني/نوفمبر صلتها بهذا الأمر، رغم أن وسيم جرابعة مدير العمل والتأشيرات في سلطة منطقة العقبة الاقتصادية، أكد يوم 15 ديسمبر خلال ندوة إذاعية بثها "راديو البلد" وجود بروتوكول رسمي موقع بين مدينتي العقبة الأردنية وإيلات الإسرائيلية ينص على إيفاد عمال أردنيين للعمل في قطاع الإنشاءات بمدينة ايلات.

ويبدو غريباً إنكار الجهات الأردنيّة الرسميّة علاقتها بتوريد العمّال إلى إسرائيل، لأن قرارا كهذا بتصدير العمال الأردنيين إلى إسرائيل، من الصعب أن يمر دون علم الحكومة الأرنية، أو الجهات ذات العلاقة فيها مثل وزارة العمل، وربّما لأن الحكومة تقدر أن تبنيها لهذه الخطوة سوف يترك الإنطباعات السلبيّة للرأي العام الأردنيّ تجاه العمل في إسرائيل، وربّما لأنّ المهن الّتي سيعمل بها العمّال الأردنيون ليست مفضّلة للكثيرين، لأنّها ستتركّز في تنظيف الفنادق وغسل الأواني وترتيب الغرف، وهو ما لاقى ردود فعل سلبية لدى بعض الأوساط الأردنية يوم 22 تشرين ثاني/نوفمبر.

ومن المهمّ النّظر إلى الخطوة الإسرائيليّة باستقدام العمّال الأردنيّين، على أنّها تتزامن مع طرد العمّال الفلسطينيّين، مما يطرح علامات استفهام حقيقيّة حول تجاوب الأردن مع هذا التوجّه الإسرائيليّ، وقد كان بإمكانه التشاور مع السلطة الفلسطينيّة قبل الموافقة عليه، حتّى لا يفسّر من قبل الفلسطينيّين على ما يبدو أنّه رضى أردنيّ عن سياسة إسرائيليّة ضدّهم.

"المونيتور" تواصل مع بعض العمال الفلسطينيين الذين فقدوا أماكن عملهم داخل إسرائيل، وجاء بدلاً منهم عمال أردنيون، فقال عماد حسين من مدينة طولكرم "للمونيتور" أنه "أمر مرفوض أن يرضى الأردن الشقيق بأن يرسل عماله إلى إسرائيل بدلاً منا، وكان الأولى به أن يدعمنا في أزمتنا الحالية بسبب الإجراءات الإسرائيلية".

فيما تحدث اسماعيل رشيد من رام الله، ويعمل مقاولاً في مجال توريد العمال الفلسطينيين داخل إسرائيل في مجال البناء، أنه "يبدو مستغرباً ألا تقوم السلطة الفلسطينية بالتواصل مع الأردن للتنسيق في مجال توريد العمالة الأردنية داخل إسرائيل، والطلب منه بعدم إحلال العمال الأردنيين محل أشقائهم الفلسطينيين، لأن السلطة الفلسطينية مسئولة عن هؤلاء العمال الفلسطينيين الذين فقدوا مصادر دخلهم، وأضيفوا الآن إلى آلاف العمال العاطلين عن العمل".

وفي هذا المجال، قال الأمين العام لاتّحاد نقابات عمّال فلسطين شاهر سعد لـ"المونيتور": "هناك سياسة إسرائيليّة بالاستغناء عن العمّال الفلسطينيّين، وطردهم، لابتزاز الشعب الفلسطينيّ، والضغط على السلطة الفلسطينيّة لتقديم تنازلات سياسية متعلقة بالطلب منها وقف الانتفاضة، وجاء استقدام إسرائيل لـ500 عامل أردنيّ مقدّمة للإستغناء عن آلاف الفلسطينيّين، وإن كنّا مضطرّين للعمل داخل إسرائيل لعدم وجود بدائل أخرى، فإنّنا نرى أيّ عمالة عربيّة وأردنيّة ستعود بشكل سلبيّ علينا، وأتوقّع من الإخوة الأردنيّين إدراك سياسة إسرائيل الهادفة إلى الضغط علينا، بمحاولة الاستغناء عن عمالتنا واستبدالها بعمالة عربيّة، مع أنّ الأردن لديه نسبة بطالة كبيرة وبإمكانه تشغيل عمّاله القادمين إلى إسرائيل داخل بلاده".

إقتصاد بطعم السياسة

وفي ظل تأكيد إسرائيل على استقبال العمال الأردنيين على لسان "سيلفان شالوم" وزير الداخلية الإسرائيلي يوم 10 تشرين ثاني/نوفمبر، واستمرار الأردن في عدم إصدار موقف رسمي، يؤكد أو ينفي، فإن ماهر أبو طير، وهو الكاتب الأردنيّ ذو الصلة الواسعة بدوائر صنع القرار في عمّان، اتّهم في 1 كانون الأوّل/ديسمبر شركات أردنيّة متخصّصة، لم يذكرها بالاسم، بالتورّط في ترتيبات مع إسرائيل لإرسال عمّال أردنيّين للعمل في إسرائيل، مقابل أجرة ألف دولار شهريّاً، وهو منخفض نسبياً، كاشفاً عن وجود خطط إسرائيليّة مع الأردن لاستقطاب 10 آلاف عامل أردنيّ قريباً، في المهن السياحيّة والبناء.

ولا يبدو أنّ أهداف إسرائيل من استقدام العمالة الأردنيّة تقتصر على الجانب الإقتصاديّ على أهميّته، بل إنّ الاعتبارات السياسيّة لا تكاد تغيب عن هذه الخطوة، في ضوء تقارب تدريجيّ في العلاقات الإسرائيليّة - الأردنيّة، بصورة أثارت قلق السلطة الفلسطينيّة يوم 26 تشرين أول/أكتوبر، لا سيّما في أعقاب إتّفاق عمّان وتلّ أبيب في 25 تشرين الأوّل/ أكتوبر حول ترتيبات الحرم القدسيّ، تتعلق بنصب كاميرات مراقبة داخل المسجد الأقصى لمراقبة المصلين المسلمين والمستوطنين الإسرائيليين الذين يدخلون الحرم القدسي، لأنّ عمّان وتلّ أبيب لم يشركاها في الإتّفاق،

وفي هذا الإطار، قال أستاذ الإقتصاد بجامعة النجاح الوطنيّة في نابلس نائل دويكات لـ"المونيتور": "إسرائيل تسعى إلى أن تكون العمالة الأردنيّة بديلاً عن نظيرتها الفلسطينيّة، مع أنّ العمالة الفلسطينية تعتبر رخيصة بالنسبة لإسرائيل، فالعامل الفلسطينيّ يدخل إسرائيل ويزاول عمله في النهار. وفي المساء، يعود إلى الضفّة الغربيّة، ولا يتحمّل المشغّل الإسرائيليّ أعباء إقامته داخل إسرائيل كالعامل الأردنيّ. وفيما يتقاضى العامل الفلسطينيّ أجره بالشيكل الإسرائيليّ، سيحصل العامل الأردنيّ على أجره بالدولار الأميركيّ، ممّا يرهق المشغّل الإسرائيليّ لتحويل العملة، وسيكلّف الحكومة الإسرائيليّة حصوله على مستحقّات التأمين الصحيّ والضمان الإجتماعيّ".

وقد أكّد عضو البرلمان الأردنيّ ورئيس لجنة العمل النيابيّة الأسبق عدنان السواعير في 18 تشرين الثاني/نوفمبر، أنّ إسرائيل تستفيد من العمالة الأردنيّة من أوجه عدّة، فمدينة إيلات التي يتركز فيها العمال الأردنيون، تعتبر بعيدة جغرافياً بالنسبة للإسرائيليين، لأنها تقع في أقصى جنوب إسرائيل، ولا يرغب الإسرائيليّون بالعمل فيها.

وأخيراً، ربّما يبدو واضحاً أنّ القرار الإسرائيليّ باستيعاب الآلاف من العمّال الأردنيّين يهدف إلى القفز خطوة جديدة في علاقاتها مع المجتمع الأردنيّ، وليس اقتصارها على الساسة الكبار أو رجال الأعمال البارزين المستفيدين من تطويرالمنطقة التجارية الحرة بين إسرائيل والأردن في تشرين ثاني/نوفمبر الماضي، عبر الوصول إلى طبقات إجتماعيّة وسطى بتوريد العمالة الأردنيّة إليها، وإظهار وجه آخر لإسرائيل غير الدولة المحتلّة للأراضي الفلسطينيّة.

وفي الوقت ذاته، قد يأتي القرار الإسرائيليّ كجزء من إدارة الظهر للفلسطينيّين، وتحقيقاً لدعوات إسرائيليّة متزايدة في الأسابيع الأخيرة بالانفصال عن الفلسطينيّين، بما في ذلك إغلاق أبواب العمل في وجوههم، وهو قرار قد تكون له تبعات سلبيّة تزيد من أعداد الناقمين الفلسطينيين على السياسة الإسرائيليّة، واحتماليّة انضمامهم إلى صفوف منفّذين قادمين لهجمات فلسطينيّة.

وجد في : unemployment, palestinians in jordan, pa, migrant workers, jordanian government, intifada, aqaba

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X