قصر الأخيضر المنسي والمهمل... ينبثق في صحراء كربلاء كالمعجزة

يعود تاريخ بناء قصر الأخيضر إلى العام 778 ميلادي، تحيطه صحراء مترامية الأطراف، بينما اسمه مشتق من اللون الأخضر. جسم معماري كبير من الماضي يتآكل ولا أحد يمدّ له يد العون .

al-monitor .

المواضيع

palace, neglect, karbala, iraq crises, is, history, archaeology

ديس 6, 2015

كربلاء، العراق- في صحراء كربلاء الرتيبة المعالم (105 كم إلى الجنوب الغربي من العاصمة بغداد)، تعجّ الرياح في أرض جافة واسعة، ليس فيها من أثر لصرح مشيّد، سوى قصر الأخيضر الذي يعود تاريخه إلى العام 778 ميلادي، وشُيّد كحصن دفاعي لصد الهجمات.

وهو اليوم بناء شاهق ترتفع جدرانه إلى نحو الواحد والعشرين متراً، ويبلغ عرض أركانه نحو المائة وسبعين متراً، واطلق عليه اسم قصر "الأخيضر" و يعني باللغة العربية، اللون الأخضر، وسط ألوان الصحراء الباهتة.

يعجب الزائر، كيف إن هذا القصر الشامخ، وينسب إلى الأمير العباسي عيسى بن موسى (778 ميلادي)، الذي بناه ليعتزل فيه السياسة ،

يتداعى أمام الأعين، بسبب عدم الصيانة، فقد تآكلت أركانه، وتساقط هياكله من الداخل والخارج، وجرفت رياح الصحراء العاتية نهاياته في الفضاء، فيما ضعفت أساساته بسبب الملوحة التي صعدت إلى نحو المتر في جدرانه.

أثناء زيارة المونيتور للمكان، التقينا المدرّس أحمد كاظم من بابل، مصطحباً معه طلّابه في رحلة مدرسيّة. قال بأسى بينما راحت عيناه تجوسان هذا الخراب الكبير: "يدرس الطلّاب المعالم الأثريّة وأهميّة الحفاظ عليها وصيانتها، فإذا بهم يفاجأون بأنّ هذا الكلام غير حقيقيّ، فها هو أثر ضخم ينهار أمام أعينهم، من دون أن تتدخّل الجهّات المعنيّة للحيلولة دون فقدانه، وهو يعدّ أهم المعالم الأثريّة الضخمة في وسط العراق وجنوبه". ويطالب العراق بضمه إلى لائحة التراث العالمي التي تعدها يونسكو

يتابع كاظم: "إنّه قلعة عظيمة، كتب عنها الرحّالة الإيطاليّ بيترو ديلا فاليه وهو في طريقة إلى بلاد الشام في عام 1625م. الآن علينا أن نحذر في تجوالنا في أرجائه بسبب الخراب. إنّ مساحته شاسعة، وفيه مفاجآت من ممرّات وغرف عدّة متداخلة، إضافة إلى الحفر العميقة، والخزّانات المتداعية العميقة في باطن الأرض. إنّه مكان خطر في ظلّ غياب لوحات إرشاديّة".

هذه الصورة الحزينة ردّها الباحث الآثاري والتاريخيّ محيي المسعودي من بابل، في حديثه إلى "المونيتور" إلى "الوضع غير المستقرّ، حيث المشاكل الأمنيّة والاقتصاديّة والسياسية تفرض أولويّاتها، ممّا جعل إدامة الآثار وصيانتها تنال المرتبة الأخيرة في سلمّ الاهتمام الحكوميّ، وحتّى الشعبيّ".

التقى "المونيتور" سعيد الجبوري (65 عاماً)، وهو بدويّ ترعرع منذ الطفولة قرب هذا الصرح التاريخيّ، إذ سكنت قبيلته على مسافة عشرين كيلومتراً من المكان، وما زال هو يستريح في ظلاله مع جماله الثلاثين، بعد ساعات طويلة من البحث عن الماء والكلأ في صحراء مقفرة. قال: "في السنوات الماضية، كان هذا المكان مأوى للصوص والجماعات الخارجة على القانون، فهو واسع ويسهّل الاختباء في غرفه وممرّاته المظلمة من دون أن يكتشفهم أحد".

واستغلال اللصوص وقطاع الطرق للمكان، حدث في فترات زمنية متقطعة، وحوّله أفراد الجماعات المسلحة إلى مستودع للأسلحة لاسيما قبل التفات الدولة إلى أهمية المكان، وقبل زيارة الباحثون والاثاريون له، منذ اكتشاف موقعه في العصر الحديث من قبل الرحالة الايطالي بيترو ديلافالة بالصدفة، وهو في طريقة إلى بلاد الشام عام 1625م، وكذلك في فترة الاضطراب الأمني بعد 2003 حين اجتاحت القوات الأمريكية، العراق

وتحدّث إلى "المونيتور" الباحث الآثاري سعد حسن من بابل عن مشاركته في أكبر مشروع لتأهيل المكان في عام 1975، "حيث أزيلت منه الكتل الصخريّة المتساقطة وتمّ تجديد بناء بعض زوايا القصر، لكنّ هذا المشروع لم ينجح في وقف تداعي الجدران"، حسب قوله.

يضيف حسن "موّلت الحكومة العراقية هذا المشروع وشارك فيه خبراء وعمال بناء عراقيون واستمر العمل به لنحو ستة اشهر، بحسب البرنامج المعدّ، وتم في خلال ذلك، ترميم الجدران، وتجديد الأساسات المتآكلة". ويرى حسن إن "مثل مشاريع الإدامة المتقطعة زمنيا لا تفيد في شيء بسبب عدم تواصل المستمر لعمليات الصيانة الترميم".

ويحكي حسن أنّه اصطحب في عام 2005 مجموعة من العسكريّين الأميركيّين الموجودين في العراق في جولة سياحيّة، "فأبدوا اندهاشهم من عظمة هذا البناء القائم إلى الآن "، حيث قال له أحدهم: "لو كان مثل هذا الصرح في الولايات المتّحدة، لتحوّل إلى مزار سياحيّ يدرّ على الميزانيّة الوطنيّة الأموال الكثيرة". وبحسب حسن "لقد كان الهدف من الزيارة اطلاع الجانب الأمريكي على عظمة الآثار في العراق".

وينبّه حسن "المونيتور" إلى أنّ "محافظة كربلاء تضمّ لوحدها العشرات من الأماكن التاريخيّة التي لم تشملها فعاليّات التنقيب حتّى الآن، من قبل الهيئة العامة للآثار والتراث، ومن دون حمايات أمنيّة كافية ممّا يعرّضها إلى النهب"، مشيراً إلى أنّه في "السبعينيّات والثمانينيّات من القرن الماضي، أقيمت مشاريع لجعل الأخيضر مرفقاً سياحيّاً، ونظّمت على أرضه فعاليّات فنيّة واجتماعيّة، أبرزها مهرجان عام 1972 أقامته أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، ومهرجان آخر للفرقة الفنية الشعبية، وهي مهرجانات موّلتها وزارة الثقافة في زمن النظام السابق (1968-2003) ،واستمرت إلى العام 1980 وهو العام الذي بدأت فيه الحرب العراقية الإيرانية (1980 -1988)،حيث توقّفت اغلب المهرجانات الثقافية والفنية. وبعد العام 2003 ، لم يشهد قصر الأخيضر أي مهرجانات مماثلة إلى الآن".

ويعتقد حسن أنّ "درجات الحرارة الشديدة في وسط الصحراء، مع غياب الصيانة، إضافة إلى الرطوبة والمياه الجوفيّة، تسببت في سقوط بعض جدران القصر".

"إنّه إهمال"، هذا ما تؤكّده عضو لجنة السياحة والآثار النيابيّة، النائب منى الغرابي وهي تتحدّث إلى "المونيتور" عن الحالة السيّئة للمواقع الأثريّة: "فهذه المواقع لا تتعرّض إلى التدمير من قبل تنظيم "داعش" فقط، بل أنّها تعاني من إهمال السلطات الحالية، وفي زمن النظام السابق أيضاً".

والحال أنّ الإهمال واضح وضوح الشمس إلى حدّ أنّه راح يضغط على المعنيّين الحكوميّين، فقد أعلن رئيس لجنة السياحة والآثار في مجلس محافظة كربلاء جاسم حميد المالكي لوسائل الإعلام في 30 آب/أغسطس 2014 عن تخصيص مليار ونصف مليار دينار لإعادة تأهيل قصر الأخيضر والمنطقة المحيطة به، لكن إلى الآن لا يلاحظ أي شروع في أعمال التأهيل.

وأكّدت لـ"المونيتور" هذا التوجّه النائب عن محافظة كربلاء ابتسام الهلالي إذ قالت إنّ "الحكومة الاتّحاديّة تسعى إلى تأهيل هذه المنطقة بعد فترة طويلة من الإهمال، وجرى رصد ميزانيّة لتطوير الموقع".

كثيراً ما سمعنا أخباراً طيّبة كهذه، لكنّها لم تشقّ طريقها إلى التطبيق. من هنا، نراهن على وعي المواطنين بحماية تراثهم الوطنيّ. فعدا عوامل الطبيعة التي يصعب التحكّم بها وتسبّبت في تداعي القصر، فانّ في الإمكان تنظيم حملات تطوعية، وجمع تبرعات، لترميم ما يمكن ترميمه، كما يمكن لهم تنظيم مهرجانات ثقافية، وفنية، لاستثمار هذا الصرح التاريخي الضخم.

في ضرب من المغامرة، واصل "المونيتور" جولته داخل القصر الذي بدا متاهة من الغرف والدهاليز والممرّات المظلمة والسلالم الصاعدة والنازلة والآبار والكهوف والكثير من السقوف المنهارة. لا شيء مفهوم حقّاً بسبب عدم وجود خارطة طريق ودليل مرافق. إنّه عالم قائم بذاته، غريب، ومقصيّ. وعلى عكس تفاصيله الداخليّة المدوّخة، يبدو القصر من الخارج شاخصاً، على رغم تهاوي الكثير من أركانه الخارجية ، وهياكله الداخلية، وهو كما قلنا ينبثق كالمعجزة في صحراء جرداء مضجرة.

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض العراق

al-monitor
هل انتهى التحالف "السرياليّ" بين المدنيّين والصدر؟
عمر ستار | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | فبر 19, 2020
al-monitor
ضغوط سياسيّة تهدّد بالإطاحة برئيس الوزراء المكلّف قبل تشكيل حكومته
عمر ستار | الانتخابات العراقية | فبر 18, 2020
al-monitor
مظاهرات نسويّة حاشدة تغطّي شوارع بغداد باللونين الورديّ والبنفسجيّ
Lujain Elbaldawi | حقوق المرأة | فبر 14, 2020
al-monitor
لماذا قانون الانتخابات العراقي الجديد لم يتم التصديق عليه بعد؟
عمر الجفال | المحاكم والقانون | فبر 14, 2020