نبض إيران

هل تستطيع إيران حماية قطاع السيارات المأزوم؟

p
بقلم
بإختصار
على ضوء تحرّك مجلس الشورى لزيادة التعرفات على استيراد السيارات، يظهر إلى الواجهة النقاش حول المشكلة الأوسع المتعلّقة بالخطوات الواجب اتّخاذها لمعالجة الأزمة التي يعاني منها قطاع السيارات الإيراني.

طهران، إيران - الأسبوع الماضي، قدّمت مجموعة من المشترعين في لجنة الصناعات والمناجم في مجلس الشورى الإيراني، اقتراحاً لزيادة الرسوم الجمركية على السيارات السياحية المستوردة. ينطلق هذا الاقتراح من الاعتقاد بأن صناعة السيارات التي رأت النور قبل 48 عاماً في إيران، مهدّدة وسط الحملة الشعبية التي تُشَنّ عبر وسائل التواصل الاجتماعي لثني الأشخاص عن شراء سيارات محلّية الصنع "متدنّية النوعية".

من الجهود الأخرى التي تُبذَل بهدف دعم صناعة السيارات المأزومة في إيران رسالة صدرت مؤخراً عن رئيس دائرة الجمارك الإيرانية، وجرى تداولها على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام المحلية. يدعو مسعود كارباسيان، في رسالته الموجّهة إلى وزارة الصناعة والمناجم والتجارة، إلى زيادة الرسوم على السيارات المستوردة بنسبة 150 في المئة "من أجل منع استيراد المركبات الفخمة، وتحقيق العائدات المنشودة من واردات السيارات للسنة المالية الحالية".

تفرض إيران حالياً رسوماً جمركية تتراوح نسبتها من 4 إلى مئة في المئة، مع خضوع عدد كبير جداً من المنتجات للنسبة الأعلى. وهي من بين أقل من 24 دولة لم تنضم بعد إلى منظمة التجارة العالمية التي تحظر فرض رسوم جمركية عالية. قال وزير الصناعة الإيراني محمد رضا نعمت زاده في كلمة ألقاها في أيار/مايو الماضي إن إيران ستتقدّم قريباً بطلب للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية. تجدر الإشارة إلى أن محاولة إيران الانضمام إلى المنظمة المؤلّفة من 161 عضواً كانت تصطدم دائماً بفيتو أميركي. بيد أن واشنطن وافقت على التخلّي عن معارضتها لانضمام إيران إلى المنظمة، وذلك في إطار خطة العمل الشاملة المشتركة والمؤقّتة التي جرى التوصّل إليها بين إيران والقوى العالمية الست في تشرين الثاني/نوفمبر 2013.

من الواضح أن الهدف من فرض رسوم مرتفعة على الواردات هو دعم قطاع التصنيع الذي يعاني من الضعف على المستويَين المالي والتقني في إيران. لكن المواطنين الإيرانيين يشتكون بصورة متزايدة من أن دعم الدولة للصناعة المحلية يُلقي بضغوط مالية لا تُحتمَل على أكتافهم، إذ يهدرون أموالهم على منتجات متدنّية النوعية. الخيار الوحيد المتبقّي أمام المستهلكين هو شراء سلع مهرَّبة هي ذات نوعية أفضل نسبياً، لكنها تُباع بأسعار مرتفعة ما يجعلها غير متاحة لملايين الإيرانيين.

في الواقع، تُظهر التقارير أن تطبيق التعرفات المرتفعة فشِل في خفض الواردات - على الرغم من أنّ الحكومة تدّعي العكس. بل أدّى إلى زيادة في تهريب السلع إلى البلاد - في ظاهرة يقول النقّاد إنها تتسبّب بزيادة التكاليف ليس بالنسبة إلى المستهلكين وحسب إنما أيضاً بالنسبة إلى المنتجين والحكومة.

تكشف الصورة الأوسع أن أكثر من 16000 وحدة تصنيعية مسجّلة في الدوائر العقارية الصناعية في مختلف أنحاء البلاد، أغلقت أبوابها في الماضي القريب أو هي على شفا الإفلاس، بحسب تقارير رسمية. والسبب الأساسي ببساطة هو أن المصنّعين المحليين يفتقرون إلى الخبرة والسيولة. يقول أسد الله عسكر أولادي، عضو غرفة التجارة في طهران، إن صناعة السيارات - ثاني أكبر قطاع اقتصادي في البلاد بعد النفط والغاز - كانت لتصاب بالإفلاس لو أنه يمكن تهريب السيارات بسهولة إلى البلاد، مثل عدد كبير من السلع الأخرى. ويضيف التاجر المخضرم لأسبوعية "تجارت فردا" الناطقة باللغة الفارسية، إنه كي تكون آلية الرسوم الجمركية فعّالة، يجب أن تكون السلطات قادرة فعلياً على وقف عمليات التهريب. ولذلك دعا إلى خفض الرسوم الجمركية، معتبراً أن السبب وراء رفض السلطات خفض التعرفات على السيارات المستوردة هو أن بعض المسؤولين يملكون أسهماً في شركات محلية لصناعة السيارات.

وفي كلامٍ مشابه نشرته الأسبوعية نفسها، انتقد ماجد رضا حريري، نائب رئيس الغرفة الإيرانية-الصينية، السلوك الذي كان السبب وراء عدم نضوج الصناعة المحلية. يعتبر حريري وعدد كبير من المحللين الاقتصاديين أن الحكومة الإيرانية سمحت باستيراد مواد خام باهظة الثمن، ومن ثم تصدير سلع "مدعومة". يقول الخبراء إن هذه السياسة ألحقت الضرر بالمستهلكين والمنتجين على السواء.

يُشار إلى أن جزءاً كبيراً من الصادرات الإيرانية غير النفطية - بما في ذلك الفولاذ والإسمنت والبتروكيماويات - يُنتَج بواسطة مواد خام مستورَدة باهظة الثمن. فضلاً عن ذلك، تستهلك المصانع المواد الخام والوقود بأسعار مدعومة. يقول حريري إن الرسوم الجمركية على الواردات، والتي تصل نسبتها إلى نحو 26 في المئة، فضلاً عن القروض الرخيصة والوقود المدعوم والعملات الأجنبية التي يُفيد منها المصنّعون المحليون تكلّف المستهلكين الإيرانيين مليارات الدولارات الإضافية سنوياً. ولذلك يعتبر، شأنه في ذلك شأن خبراء اقتصاديين ليبراليين آخرين، أنه من الضروري الشروع فوراً في إجراء إصلاحات تجارية في الاقتصاد الإيراني.

لكن إذا اختارت الحكومة خفض الرسوم الجمركية لتصبح مساوية لتلك التي تطبّقها الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية - 3.5 في المئة في المعدّل - سوف تخسر قدراً كبيراً من العائدات، ما يُلقي بضغوط إضافية على الموازنة التي تعاني أصلاً من العجز. يُتوقَّع أن تبلغ عائدات الرسوم الجمركية في السنة المالية الحالية (تنتهي في 19 آذار/مارس 2016) 130 تريليون ريال إيراني (4.3 مليارات دولار أميركي) - أي أعلى بثلاثين في المئة من العام الماضي. يبدو تردّد الحكومة في خفض الرسوم الجمركية منطقياً نظراً إلى أن الإيرادات النفطية تبلغ، بحسب التوقّعات، 27.5 مليار دولار. لكن ينبغي على السلطات التجارية أن تكون صادقة مع نفسها. فإيران محاطة باقتصادات مفتوحة تسعى جاهدةً لإيجاد منفذ تدخل منه إلى السوق الإيرانية. إذا لم يفتح الاقتصاد الإيراني أبوابه رسمياً، فسوف تستمر المنتجات المهرَّبة في التسلّل إلى البلاد.

يعتبر الخبير الاقتصادي البارز المقيم في طهران، محمد مهدي بهكيش، أنه بإمكان إيران أن تبدأ بالانفتاح اقتصادياً عن طريق إصلاح منظومة التعرفات لديها. فهو يلفت إلى أن فرض رسوم جمركية على الواردات لم يعد أداة فعّالة لتنظيم العمليات التجارية التي تتولاّها الحكومات. في الواقع، كانت الحكومات في الاقتصادات الكلاسيكية تستعمل الرسوم الجمركية على الواردات لتوليد عائدات ودعم التصنيع المحلّي. لكن لم يعد الحال هكذا مع توقُّف كل اقتصادات السوق الحرّة عن فرض رسوم جمركية مرتفعة. في هذا السياق، يُحذّر بهكيش من مغبّة أن تتحوّل إيران إلى سوق كبيرة للبضائع المهرَّبة من الإمارات العربية المتحدة وتركيا وحتى الهند وباكستان وأفغانستان في حال لم تُطبَّق الإصلاحات التجارية.

لكن الإصلاحات من النوع الذي يروّج له بهكيش لن تتكلّل بالنجاح إذا لم تعمل الحكومة في الوقت نفسه على معالجة ثلاثة معوِّقات أخرى. يناشد كبار الخبراء الاقتصاديين إدارة الرئيس حسن روحاني التحلّي بالشفافية عبر وضع سلسلة من الخطط في المدى القصير لتوحيد أسعار صرف العملات الأجنبية في السوقَين الرسمية والمفتوحة، وخفض معدلات الفوائد - التي وصلت إلى 28 في المئة في الأشهر الأخيرة - وكبح الدعم المكلف للطاقة. وحدها خطة شاملة تعالج أيضاً هذه المسائل كفيلة بأن تسمح للحكومة بأن تعمل تدريجاً على تحسين مناخ الأعمال ورفع الضوابط عن السوق. وإلا من الصعب أن يصبح للمستثمرين المحليين والدوليين وجودٌ ناشط في البلاد.

وجد في : smuggling, manufacturing, iranian imports, iranian economy, hassan rouhani, foreign investors, automobile industry
x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X