نبض مصر

السوق الأفريقيّ المشترك: سياسيّ أوّلاً واقتصاديّ ثاني

p
بقلم
بإختصار
القاهرة - ليس كلّ ما يسلّط عليه الضوء من اتّفاقيّات ومؤتمرات اقتصاديّة، يعتبر نجاحاً أو نموّاً اقتصاديّاً جديداً، والمثال الأكبر على ذلك قمّة التكتّلات الاقتصاديّة الأفريقيّة التي استضافتها مصر في 10 حزيران/يونيو 2015، والتي لا يزال تأثيرها على الاقتصاد المصريّ مسار جدل واختلاف. ضمّت القمّة ممثّلين عن 26 دولة يمثّلون التكتّلات الاقتصاديّة الأفريقيّة الثلاثة الكبرى، وهي الكوميسا...

القاهرة - ليس كلّ ما يسلّط عليه الضوء من اتّفاقيّات ومؤتمرات اقتصاديّة، يعتبر نجاحاً أو نموّاً اقتصاديّاً جديداً، والمثال الأكبر على ذلك قمّة التكتّلات الاقتصاديّة الأفريقيّة التي استضافتها مصر في 10 حزيران/يونيو 2015، والتي لا يزال تأثيرها على الاقتصاد المصريّ مسار جدل واختلاف.

ضمّت القمّة ممثّلين عن 26 دولة يمثّلون التكتّلات الاقتصاديّة الأفريقيّة الثلاثة الكبرى، وهي الكوميسا والإياك والساد. وافتتح أعمال القمّة واختتمها الرئيس عبد الفتّاح السيسي بنفسه تعبيراً عن أهميّة تلك القمّة التي تنصبّ مهامها الرئيسيّة على محاولة تذليل العقبات التجاريّة بين دول التكتّلات الثلاثة وبين الدول داخل كلّ تكتّل عن طريق تخفيض التعاريف الجمركيّة تمهيداً إلى فتح سوق مشتركة بين التكتّلات الثلاثة.

واختلف الخبراء الاقتصاديّون حول انعكاسات تلك القمّة على الاقتصاد المصريّ. ففي الوقت الذي ترى أستاذة الاقتصاد في كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة في جامعة القاهرة بسنت فهمي، أنّ القمّة محدودة التأثير وربّما لا يكون لها تأثير إيجابيّ على الاقتصاد المصريّ، يرى أستاذ الاقتصاد في كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة في جامعة القاهرة مدحت نافع أنّ القمّة واتّفاقيّة السوق المشتركة ربما تحقّقان نتائج إيجابيّة إن توافر لهما بعض الظروف.

وقالت فهمي لـ"المونيتور" إنّ الأسباب الأولى التي تجعل السوق الأفريقيّة غير مهمّة بالنسبة إلى مصر، وتجعل السوق المصريّة غير مهمّة بالنسبة إلى أفريقيا هي انتشار الفساد وعدم وجود مناخ مناسب للتجارة والاستثمار. وتابعت: "يهدف فتح سوق مشتركة إلى تنمية الاستثمارات الأفريقيّة في مصر والاستثمارات المصريّة في أفريقيا، اعتماداً على سهولة الحصول على الخام أو مستلزمات أيّ استثمار داخل تلك السوق الواسعة من دون جمارك مع سهولة تصريف الإنتاج من خلاله أيضاً. إلّا أنّ المستثمرين الأفريقيّين والمصريّين سيصدمون بالفساد والروتين في أفريقيا ومصر وسيكون ذلك عائقاً بالنسبة إليهم في تأسيس أيّ استثمارات". ويذكر أنّ قمّة الكوميسا لعام 1999 شدّدت على ضرورة محاربة الفساد كما تعدّدت شكاوى رجال الأعمال في منتدى الاستثمار في الكوميسا في عام 2010 من الفساد والرشاوى، كما تشير العديد من التقارير الإعلاميّة إلى الفساد في دول السادك والإياك أيضاً.

وتستورد دول الكوميسا والإياك والسادك العديد من المنتجات من الولايات المتّحدة الأميركيّة وألمانيا وإيطاليا واليابان وتركيا وفرنسا، وهي المنتجات التي اعتبرتها فهمي منتجات عالية الجودة. وعلّقت على ذلك قائلة: "إنّ الصادرات المصريّة لن تستطيع منافسة تلك المنتجات، وخصوصاً الأوروبيّة والأميركيّة بسبب انخفاض جودة المنتج المصريّ".

كما قالت إنّ تحقيق سوق اقتصاديّة مشتركة في المعنى الحقيقيّ يستدعي وجود خطوط تجاريّة بريّة وبحريّة وجويّة بين دول التكتّلات الثلاثة، وهو ما لا يتوافر حاليّاً وما يستدعي أن يتمّ تأسيس تلك الخطوط بالشراكة بين تلك الدول. وأضافت: "يحتاج هذا الأمر إلى العديد من السنوات، وإلى توافر النقد لدى تلك الدول لتأسيس تلك الخطوط وربّما لا يكون ذلك النقد متوافراً لدى معظمهم".

يذكر أنّ مؤتمرات التكتّلات الأفريقيّة الثلاثة انطلقت منذ عام 2008 واستضافتها أوغندا، وفي عام 2011 عقدت القمّة الثانية واستضافتها جنوب أفريقيا. وعلى الرغم ممّا وصفه المسؤولون من نجاح القمّتين السابقتين، إلّا أنّهما لم تسفرا عن نتائج ملموسة على أرض الواقع، وهو ما اعتبرته فهمي نقطة الضعف الأخيرة في مشروع السوق المشتركة بين التكتّلات الأفريقيّة الثلاثة، حيث قالت: "يفقد التباطؤ الكثير من المشاريع قيمتها، ويجعل دولاً أخرى مثل أميركا ودول أوروبّا أكثر سيطرة على السوق الأفريقيّة".

ويرى مدحت نافع أنّ القمّة الاقتصاديّة الأفريقيّة والسوق الأفريقيّة المشتركة ربّما تحقّقان العديد من النتائج الإيجابيّة للاقتصاد المصريّ، حيث قال: "المنتج المصريّ ليس أجود من المنتجات الأوروبيّة والأميركيّة، إلّا أنّه أجود من المنتجات الصينيّة التي تسيطر على السوق الأفريقيّ".

وبتصفّح موقع Trade Map المتخصّص في شؤون التجارة الدوليّة، تبيّن بالفعل أنّ المنتجات الصينيّة والهنديّة هي التي تتصدّر مستوردات دول الكوميسا والإياك والسادك بقيمة 60 مليار دولار للمنتجات الصينيّة أي 17,64% من إجمالي واردات التكتّلات الثلاثة لعام 2014، فيما تأتي المنتجات الهنديّة في المركز الثاني بقيمة 32 مليار دولار أي بنسبة 9،5%.

ويفسّر نافع الأمر قائلاً: "الفوارق الاقتصاديّة بين الطبقات في أفريقيا واسعة على مستوى الأفراد والمؤسّسات، وهو ما يجعل بعض الأفراد والمؤسّسات يعتمد على المنتجات العالية الجودة من أوروبّا وأميركا وتركيا ويجعل البعض الآخر والذي يمثّل القاعدة الأكبر، يعتمد على المنتجات الصينيّة والهنديّة بسبب تواضع أسعارها من دون النظر إلى الجودة، لذلك يمكن للمنتجات المصريّة أن تنافس المنتجات الصينيّة لأنّها أكثر جودة من بعضها وأقلّ سعراً أيضاً، إذا توافرت فرص تأسيس خطوط تجاريّة بين مصر وبين دول التكتّلات الأفريقيّة".

وهنا تجدر الإشارة إلى أن المهمة الأصعب هي زيادة الصادرات المصرية لدول السادك والإياك، حيث أن الصادرات المصرية للسادك بلغت 297 مليون دولار، و370 مليون دولار للإياك عام 2014، وفقا لإحصاءات Trade Map، التي تشير إلى بساطة تلك الصادرات مقارنة بصادرات مصر لدول الكوميسا والتي بلغت 2 مليار دولار عام 2014، وفقا لإحصاءات نفس الموقع.

وقال نافع إنّ رفع الجمارك المصريّة عن واردات دول الكوميسا والسادك والإياك لن يشكّل أزمة بالنسبة إلى الاقتصاد المصريّ لأنّها لا تشكّل نسبة كبيرة من الواردات المصريّة. ويشير Trade Map إلى أنّ واردات مصر من منتجات التكتّلات الثلاثة تقدّر بمليار و250 مليون دولار، وهو ما يمثّل 1,76% من إجمالي الواردات.

وعن فرص القمّة والسوق المشتركة في جلب استثمارات إلى مصر أو إلى التكتّلات الأفريقيّة، قال نافع إنّ السوق المشتركة ربّما تجلب استثمارات غير أفريقيّة إلى مصر وأفريقيا. وأعطى مثالاً على تلك الاستثمارات قائلاً: "تفتتح استثمارات أوروبيّة في مصر اعتماداً على الإعفاءات الضريبيّة ومنح الأراضي للمشاريع التنمويّة من دون مقابل، وفقاً لقانون الاستثمار، على أن يعتمد الاستثمار على الوقود أو الأجهزة الكهربائيّة الذي تشتهر دول التكتّلات الثلاثة بتصديرها والذي يستطيع المستثمر جلبها إلى مصر منها، من دون جمارك وفقاً إلى اتّفاقيّة السوق المشتركة، وبذلك يحقّق أفضل استثمار لأمواله في ظلّ إعفاء ضريبيّ وجمركيّ".

وأخيراً، يرى نافع أنّ للقمّة أهدافاً سياسيّة أيضاً، وهو ما أيّدته بسنت فهمي، وأيّده أيضاً أستاذ السياسة في كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة في جامعة القاهرة بهاء المغاوري، عندما قال لـ"المونيتور": "تهدف القمّة إلى تعزيز العلاقات المصريّة- الأفريقيّة التي اكتشف تدهورها بعد أزمة سدّ النهضة، وإلى التأسيس لروابط اقتصاديّة حتّى لو لم تكن فاعلة ومؤثّرة حاليّاً، يمكن استخدامها مستقبلاً وتفعيلها لحلّ الأزمات أو لتقوية العلاقات في حال أيّ توتّر".

إذاً لا أضرار من القمّة الأفريقيّة، وربّما لا تكون هناك نتائج إيجابيّة على الاقتصاد إلّا في ظروف محدّدة سبق ذكرها، إلّا أنّ الاستفادة في الأساس يرجّح أن تكون سياسيّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : trade, egyptian economy, economy, economics, business, african union, africa, abdel fattah al-sisi
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept