نبض فلسطين

افتتاح مهرجان السجّادة الحمراء بنجوم من حيّ الشجاعيّة

p
بقلم
بإختصار
مدينة غزّة - لم يمش على السجّادة الحمراء جاك نيكلسون أو جوني ديب أو براد بيت، وبالطبع لم تمش أنجيلينا جولي، بل من مشي على السجّادة الحمراء في مهرجان السينما "كرامة-غزّة" لحقوق الإنسان، هم الحاجّة فاطمة الجعبري والأطفال أحمد الراعي ومحمّد أبو شمالي وسلسبيل أبو شنب، ومئات آخرون من نجوم قطاع غزّة، تحديداً من سكّان حيّ الشجاعيّة. فقد أصرّ مدير المهرجان المخرج خليل المزيّن على أن يكون...

مدينة غزّة - لم يمش على السجّادة الحمراء جاك نيكلسون أو جوني ديب أو براد بيت، وبالطبع لم تمش أنجيلينا جولي، بل من مشي على السجّادة الحمراء في مهرجان السينما "كرامة-غزّة" لحقوق الإنسان، هم الحاجّة فاطمة الجعبري والأطفال أحمد الراعي ومحمّد أبو شمالي وسلسبيل أبو شنب، ومئات آخرون من نجوم قطاع غزّة، تحديداً من سكّان حيّ الشجاعيّة.

فقد أصرّ مدير المهرجان المخرج خليل المزيّن على أن يكون الافتتاح من حيّ الشجاعيّة المدمّر في الحرب الأخيرة على القطاع، التي بدأت في 8 تمّوز/يوليو2014، وانتهت في 26 آب/أغسطس 2014.

وافترش المزيّن السجّادة الحمراء التي يبلغ طولها 60 متراً بين ركام المنازل، فكانت جزءاً من المشهد من دون مبالغة. فهو لم يضع مسرحاً عملاقاً أو شريطاً ذهبيّاً للافتتاح، بل سجّادة حمراء ممتدّة كانت بمثابة افتتاح المهرجان في 12 أيّار/مايو 2015، والذي استمرّ لمدّة ثلاثة أيّام.

أخذ مهرجان السينما الذي بدأ بالسجّاد الأحمر، وصوت الأغاني الوطنيّة وازدحام عشرات الأطفال، مكاناً بين البيوت المهدّمة، في أكثر مناطق حيّ الشجاعيّة تدميراً وهي منطقة الكوربا إلى جانب مسجد التوفيق.

يقول المزيّن لـ"المونيتور": "أردنا أن نقيم مهرجان السينما في حيّ الشجاعيّة كي نجذب أنظار العالم إلى الأحياء التي دمّرتها الحرب، ولم تتمّ إعادة إعمارها حتّى هذه اللحظة. أردنا أن يكون عملاً مميّزاً إلى أقصى حدّ، وحقوقيّاً إلى أقصى حدّ، فكان مهرجان السجّادة الحمراء في الشجاعيّة".

 مشت الحاجّة فاطمة الجعبري (75 عاماً) بحذاء منزليّ هي الأخرى على السجّادة الحمراء، يوم الافتتاح في 12 أيّار/مايو2015، قائلة لـ"المونيتور": آخر مرّة شاهدت فيها السينما كانت قبل 50 عاماً وسط مدينة غزّة، بصحبة زوجي، وكان فيلماً للممثّلة اللبنانيّة صباح".

وتضيف مبتسمة: "50 عاماً مرّت فيها انتفاضتان وثلاث حروب، والآن أشاهد السينما للمرّة الثانية في حياتي وأمشي للمرّة الأولى على السجّادة الحمراء"، مشيرة إلى منزلها القريب من ساحة المهرجان والمليء بفتحات قذائف المدفعيّة الإسرائيليّة".

يبدو الاستغراب على وجوه ممّن حضر من أهالي الشجاعيّة، مخلوطاً بالسعادة ولكنّها غير كاملة. يسأل الفتى مؤمن أبو شنب (16 عاماً) بجديّة: "هل أمشي بحذائي أم يجب أن أخلعه"؟ ضحك المحيطون به، وتابعوا طريقهم على السجّادة الحمراء، التي افتتحها المواطن جلال الحلو (58 عاماً) والذي فقد 11 فرداً من عائلته في حيّ الشجاعيّة في 20 تمّوز/يوليو 2014.

يقول الحلو لـ"المونيتور": إنّها تجربة جميلة، وتأتي اليوم في حيّ الشجاعيّة لأنّ هذه المنطقة أيقونة الدمار في الحرب"، مشيراً إلى فرحه بلقاء الجيران وأهالي الحيّ، ممّا يعوّضه عن بعض ما فقده ولو للحظات.

مشى أهالي الحيّ على طول السجّادة، وانتقلوا إلى ساحة أخرى ممتلئة بالكراسي البلاستيكيّة وأمامهم القماش الأبيض معلقّاً على ما بقي من أحد المنازل الذي دمّرته قذائف الدبّابات الإسرائيليّة.

يقول نضال العرعير (37 عاماً) بصوت مرتفع، وهو يقف على ركام منزله المهدّم، ناظراً إلى العابرين أمامه على السجّادة الحمراء: "ليش المهرجان؟ ليش الكاميرات؟ ليش الكذب؟ لا يوجد من يسأل عن حالنا... ولا توجد فائدة من المهرجانات والصحافة. وين الإعمار؟ وين التعويضات"؟

ذاب صوت نضال المعترض والصارخ وسط مكبّرات الصوت حين بدأ العرض السينمائيّ الأوّل، وتجمّع الأطفال على ركام الهدم المقابل للشاشة، وجلس آخرون على الكراسي وصمت الجميع. إنّها سطوة السينما وألقها وسط فعل االدمار، ذاك التناقض المذهل بين يأس المنطقة التي لم يصلها الإعمار وبين ألوان الشاشة الضخمة المليئة بالحياة.

تقول الطفلة اليتيمة إيمان الجعبري (11 عاماً): "مبسوطة إني بتفرّج على الشاشة الكبيرة... يا ريت يعرضوها كلّ يوم".

وكان فيلم الافتتاح من غزّة تحت عنوان "أوتار مقطوعة" للمخرج أحمد حسّونة، يتحدّث عمّا فعلته الحرب الأخيرة بأحلام أربعة أطفال يعزفون الموسيقى وأحلامهم، أحدهم يعزف الناي وآخر الكمان، وهناك طفل يعزف على العود وصديقه على آلة القانون.

جارت الطفلة سلسبيل أبو شنب (11 عاماً) عبارات الأطفال في الفيلم، وهي جالسة على الكرسي أمام الشاشة، وقالت بصوت مرتفع كأنّها تردّ على أبطال الفيلم: "وأنا أيضاً، بخاف من صوت الرعد وبحسبه قصف".

وتقول الطفلة أبو شنب لمراسلة "المونيتور" التي تجلس قريباً منها: "أشعر بالخوف، لا أريد مشاهدة أفلام عن الحرب، يا ريت عرضوا على الشاشة توم وجيري".

انتهى اليوم الأوّل من المهرجان عقب عرض فيلم "بيت ترقيع" من الضفّة الغربيّة للمخرج حازم الآغا، ويحكي قصّة سيّدة فلسطينيّة من القدس أجبرتها الظروف بعد استشهاد زوجها وابنها على تنظيف المنازل.

وحين تذهب إلى أحد المنازل، تكتشف أنّه يعود إلى إسرائيليّين، فبدلاً من تنظيفه، تبدأ بإزالة كلّ الشعارات والصور المعلّقة على الجدران، وتعلّق بدلاً عنها صوراً ومطرّزات تعود إلى العائلة الفلسطينيّة التي كانت تسكن في المنزل من قبل، وقد وجدتها مخبّأة في أكياس للقمامة.

واستمرّ المهرجان بعدما انتقل من حيّ الشجاعيّة إلى مسرح المسحال، وتمّ عرض أفلام مؤثّرة وحاصلة على جوائز عالميّة وعربيّة، كفيلم "روشميا" وفيلم "18 مطلوباً" وفيلم "أنا إنسان" وفيلم "بغداد-ميسي" والفيلم التونسيّ "سباط العيد".

ولكنّ طابع التراجيديا والقتل والحروب والـ"أكشن" غلب على الـ20 فيلماً التي عرضت خلال أيّام المهرجان الثلاثة، ممّا أثار اعتراضات البعض.

تقول الشابّة ميرة البابا (23 عاماً) لـ"المونيتور": "أعتب على منظّمي المهرجان لأنّ الأفلام غلب عليها العنف، ولكن في الوقت ذاته، قدّم المهرجان أفلاماً فلسطينيّة قويّة وعميقة".

ويردّ مدير المهرجان خليل المزيّن، قائلاً: "تأتي غالبيّة أفلام حقوق الإنسان من مناطق صراع، وتتحدّث عن الحروب والمآسي، ولكن يجب أن ننظر إلى رسالة كلّ فيلم على حدا".

أزال المنظّمون البساط الأحمر والشاشة البيضاء من حيّ الشجاعيّة، وبقي الركام، كما بقيت في ذاكرة أطفال الحيّ والحاجّة فاطمة الجعبري صور جديدة، ربّما تحلّ قليلاً محلّ ذكريات الحرب المؤلمة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : war, shajaiyah, palestinian narrative, palestine, movie, gaza strip, film festival, cinema

أسماء الغول كاتبة مساهمة في صفحة "نبض فلسطين" على موقع المونيتور، وصحافية من مخيم رفح للاجئين مقيمة في غزة.

x
keyboard_arrow_up

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept