نبض العراق

تنظيم "الدولة الإسلاميّة" يقوم بعمليّة تطهير عنيفة ضدّ معارضيه

p
بقلم
بإختصار
يأتي ردّ الفعل القويّ للتنظيم على معارضيه، بسبب خشيته من ظهور قوّة معارضة له من داخل المكوّن السنيّ، مثل ما حدث عام 2008 بعد تأسيس الصحوات، حيث فقدت دولة العراق الإسلاميّة أراضيها آنذاك إثر ضربات موجعة، تحمّلتها من الصحوات. فالتنظيم يعرف جيّداً أنّ نقطة الضعف الوحيدة له هي ظهور قوّة عسكريّة معارضة سنيّة تقاتله من داخل الأراضي التي يمتلكها.

النجف - يتميّز تنظيم "الدولة الإسلاميّة" مقارنة بسابقاته، بامتلاكه جهازاً استخباراتيّاً قويّاً ذات خبرات أمنيّة وتجربة طويلة، حصل عليها من ضبّاط المخابرات والاستخبارات للنظام السابق. ويقوم هذا الجهاز بمهمّات عدّة على غرار الأنظمة الاستخباراتيّة في دول العالم. ومن أبرز تلك المهمّات، التعرّف على المعارضين ورصدهم، لتصفيتهم فوراً، وتجنّب إمكان التخلّل الاستخباراتيّ من قبل الحكومة العراقيّة والجهّات المحليّة والإقليميّة الأخرى المعارضة له أو ظهور معارضة عسكرية على أراضيها.

وتشمل قائمة التصفيات، شيوخ عشائر تعاونت مع الحكومة سابقاً، رجال الصحوات التي شاركت في محاربة التنظيمات الجهاديّة سابقاً، رجال الدين المعارضين للفكر المتطرّف لهذا التنظيم، وكلّ من يشتبه به بأنّه ينقل معلومات أمنيّة لجهّات حكوميّة أو جهّات أخرى متعاونة معها.

وتعدّ هذه السياسة منهجاً قديماً لهذا التنظيم، سار عليه بدءاً من انطلاق نشاطه في العراق بعد الغزو في العام 2003، حيث تحدث التصفيات فور السيطرة على المناطق، وبمساحة واسعة. وإضافة إلى الأهداف الأمنيّة، يرتكز هذا الأسلوب على أساس المبدأ السلفيّ المتشدّد للتنظيم، والذي يهدف إلى تطهير الأرض من كلّ من يختلف معه، بهدف قيام مجتمع سلفيّ موحّد، من دون أيّ اختلافات دينيّة أو سياسية.

وقد تصاعدت الحملات في الفترة الأخيرة، بعد تشكيل الائتلاف وبدء الحملات الجويّة ضدّ مواقع التنظيم، اللذين أدّيا إلى إبعاده من بعض المناطق التي كان يحاصرها. إضافة إلى ذلك، بدأت اغتيالات ضدّ بعض قادة التنظيم في الموصل وبعض المناطق العراقيّة الأخرى، ممّا جعل التنظيم يشدّد إجراءاته الأمنيّة، ويقوم بتصفيات واسعة ضدّ المشتبه بهم.

وقد تمّ استهداف عدد من قادة التنظيم، منهم مسؤول أحد الأجنحة العسكريّة في الموصل أبو أنس الكوردي، خلال قصف جوّي على المدينة في 29 أيلول/سبتمبر الماضي. وقد علم "المونيتور" من مصدر في المدينة أنّ التنظيم قام بإجراءات أمنيّة متشدّدة بعد ذلك، شملت تجنّب ظهور القادة الرفيعي المستوى في الأماكن العامّة، والقيام باعتقالات ضدّ من يشتبه به بنقل معلومات إلى أيّ جهّة خارجيّة، صحافيّة كانت أم غيرها.

وقد أجرى "المونيتور" حواراً مع ناشط مدنيّ في مدينة هيت بعد يومين من سقوط المدينة في يدّ التنظيم. وقد سيطر التنظيم على المدينة في 13 تشرين الأوّل/أكتوبر، ضمن تقدّم واسع في محافظة الأنبار، شمل معظم مدنها. وقال المصدر: "كان بعض أهالي المدينة مع التنظيم، ولم نكن نعرف ذلك سابقاً. وبعد سيطرة التنظيم، حدثت تصفيات واسعة من قبل المقاتلين لكلّ من كان يعمل مع الجيش أو العشائر المعارضة للتنظيم أو يحرّض ضدّه. وتجري التصفيات وفقاً للمعلومات التي يدلي بها أعضاء التنظيم من أهالي المدينة".

وأضاف المصدر أنّ أعداد الضحايا كبيرة والعقوبات قاسية جدّاً. فقد تمّ ذبح عدد من الناشطين في المدينة الذين كانوا ينتقدون الإجراءات التعسّفيّة والمتشدّدة للتنظيم. وشملت أحكام العقوبات أيضاً كلّ من يعارض الإجراءات الدينيّة المتشدّدة للتنظيم، مثل فرض ارتداء النقاب على النساء. ويقوم التنظيم برفع رايته السوداء على بيوت الضحايا، ليجعل منها عبرة للآخرين، فيعلم الناس بأنّ هناك عقوبة على أحد أفراد هذا البيت. وهناك أيضاً إعدامات جماعيّة تتمّ بين حين وآخر للأسرى الذين يحصل عليهم التنظيم في معاركه.

وقد أدّى الرعب المسيطر على المدينة إلى نزوح أعداد هائلة من الأشخاص إلى المناطق الغربيّة ذات الأغلبيّة الشيعيّة، للحصول على مكان آمن للجوء. وقد شهد "المونيتور" على طوابير طويلة جدّاً من النازحين على أبواب مدينة كربلاء في انتظار الإجراءات الأمنيّة، بهدف الدخول إلى المدينة. وتستغرق هذه الإجراءات أيّاماً بسبب كثرة النازحين وقلّة الإمكانات لاستقبالهم.

ويأتي ردّ الفعل القويّ للتنظيم على معارضيه، بسبب خشيته من ظهور قوّة معارضة له من داخل المكوّن السنيّ، مثل ما حدث عام 2008 بعد تأسيس الصحوات، حيث فقدت دولة العراق الإسلاميّة أراضيها آنذاك إثر ضربات موجعة، تحمّلتها من الصحوات. فالتنظيم يعرف جيّداً أنّ نقطة الضعف الوحيدة له هي ظهور قوّة عسكريّة معارضة سنيّة تقاتله من داخل الأراضي التي يمتلكها.

وقد أجرى التنظيم فصلاً دينيّاً شاملاً في مناطقه، حيث أخرج كلّ المكوّنات غير السنيّة من الشيعة أو الأقليّات الدينيّة، ليقطع الجسور الاجتماعيّة بين العشائر والمكوّنات العراقيّة، وذلك منعاً لإيجاد قوّة سنيّة متعاونة مع نظيراتها الشيعيّة في محاربة التنظيم. ومن جهّة أخرى، أدّت سياسة الرعب للتنظيم، إلى إرغام المعارضين على ترك مناطق التنظيم أو الصمت مقابل إجراءاته على الأقلّ.

وأخيراً، من المستبعد إمكان قيام قوّة سنيّة فاعلة ضدّ التنظيم، وذلك بسبب فقدان مجاري الاتّصال بين القادة السنّة السياسيّين، وقواعدهم الشعبيّة في مناطق التنظيم. ولا يوجد من جهّة أخرى، إجراء حاسم ضدّ التنظيم، كما أنّ الحكومة العراقيّة عاجزة عن تغيير المعادلة العسكريّة في المناطق السنيّة، لذا من المتوقّع أن يطول بقاء التنظيم مدّة غير قليلة في المناطق السنيّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : terror, opposition, mosul, killing, islamic state, iraq, awakening movement

علي المعموري هو باحث وكاتب متخصص في الدين. وهو كان مدرس في الجامعات الإيرانية والحوزات في إيران والعراق. وقد نشرت له العديد من المقالات ذات الصلة بالشأن الديني في البلدين والتحولات المجتمعية والطائفية في الشرق الأوسط.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept