هل الجيوش التركية محاصرة في الضريح السوري؟

إنّ الجيوش التركية التي تحرس ضريح سليمان شاه، وهو قطاع تركي في سوريا، تواجه مخاطر متزايدة فيما ترفض أنقرة إجلاءها.

al-monitor .

المواضيع

weapons, turkey, syria, security, intervention, hostages, army

سبت 30, 2014

يحتدم في الوقت الحالي نقاش حرج في تركيا حول كتيبة من القوات الخاصة التركية جرى نشرها على بعد 20 ميلاً تقريبًا داخل سوريا لحراسة ضريح سليمان شاه، وهو قطاع تركي خارج حدود الدولة. تأجّج هذا النقاش مع اقتراب المناقشة البرلمانية بشأن السماح بإرسال الجيوش التركية إلى العراق وسوريا.

في الواقع، إنّ مسألة الضريح مدرجة على جدول الأعمال منذ شهر آذار/مارس، عندما أشار وزير الخارجية آنذاك أحمد داوود أوغلو (رئيس الوزراء الحالي) إلى الحرب المدنية المتصاعدة في سوريا، وأعلن أنّ تركيا لن تتردّد في اتّخاذ أي تدابير لازمة لأمن الضريح الذي حُدِّد كأرض تركية بموجب اتفاق العام 1921 بين تركيا وفرنسا بشأن الحدود.

اتّخذت تركيا بالفعل بعض التدابير، ففي 14 آذار/مارس، جرى استبدال مجنّدين أتراك لا يتمتّعون نسبيًا بأيّ خبرة يحرسون الضريح بشكل كامل بحوالي 50 إلى 60 عنصرًا من جيش النخبة المتمرّس في القتال التابع لقيادة القوات الخاصة التركية، يتمتّعون جميعهم بخبرة في عمليات مكافحة الإرهاب. بعد تناوب الجيوش هذا، قال داوود أوغلو "للوقت الحاضر، ما من عدوان ضدّ جيوشنا في الضريح. يُعتبر الضريح أرضًا تركية، وإذا برز أيّ خطر مماثل، نحن مستعدون مع جميع التدابير اللازمة. فليطمئنّ شعبنا فنحن أكملنا جميع تحضيراتنا لمواجهة أي احتمال".

تخدم هذه الكتيبة التابعة للقوات الخاصة التركية في الضريح منذ ستة أشهر ونصف، لكنّ الوضع تبدّل جذريًا في الأيام العشرة الماضية بعد تحرير تنظيم الدولة الإسلامية للرهائن الأتراك، واعتداء داعش على كوباني والاشتباكات بين داعش وقوات وحدات حماية الشعب الكردية على مقربة من الضريح. منذ نهاية شهر تموز/يوليو، فقدت الكتيبة التركية الاتّصال مع العناصر المحلية التي كانت تزوّدها باللوجستيات والمعلومات. كان أفراد القوات الخاصة التركية يحرسون الضريح في ظلّ أوضاع صعبة للغاية وعالية المخاطر مع مخزون محدود من الكهرباء، والمياه والغذاء. تنبّهت وسائل الإعلام الإخبارية التركية للوضع وبدأت تتساءل عن سلامة هؤلاء المقاتلين الأتراك المجهّزين بأسلحة خفيفة والذين يبلغ عددهم 50 أو 60 عنصرًا.

وبحسب بعض التقارير الإعلامية التي اقتبست ما ورد في تقرير صادر عن واشنطن بوست كتبه إيشان ثارور، حاصر داعش الضريح، وحتى إنّه أخذ بعض أفراد القوات الخاصة التركية كرهائن. وفي 30 أيلول/سبتمبر، أفادت صحيفة "يني شفق" الموالية للحكومة في صفحتها الأولى بأنّ داعش نشر أكثر من 1,000 محارب حول الضريح وقطع طرق الإجلاء المحتملة.

مع أنّ رئيس هيئة الأركان العامة التركية سارع إلى تكذيب التقرير بأنّ الجنود الأتراك أُخِذوا كرهائن، لا يبدو أنّ الرأي العام وعائلات العسكريين الموجودين في الضريح اكتفوا بهذا النفي، وهم يسألون عن سبب عدم إجلاء هؤلاء الجنود الأتراك.

صدرت ادّعاءات مثيرة للاهتمام عن مراقبين أمنيّين يتابعون التطورات في سوريا عن كثب. هم يقولون إنّ هيئة الأركان العامة طلبت من الحكومة عدة مرات في الأشهر الأربعة الماضية إجلاء الجنود من الضريح، لكنّ صناع القرار الرفيعي المستوى في الحكومة رفضوا هذه المطالب على أساس أنّ "الضريح جزء من الأرض التركية". نتيجة لذلك، جرى بشكل كامل تجاهل الضريح الذي كان من الممكن إخلاؤه كجزء من عملية تبادل الرهائن. ويقال إنّ عائلات أفراد القوات الخاصة التركية شاهدت بابتسامات مريرة العرض السياسي الذي قدّمه قادة حكوميون مع تحرير رهائن الموصل وعائلاتهم السعيدة.

يبحث مراقبون أمنيون معنيون عن أجوبة للأسئلة الآتية:

لماذا لم يتمّ بعد إجلاء أفراد القوات الخاصة التركية من الضريح مع أنّ وضعهم يصبح أخطر فأخطر مع مرور كل يوم؟
هل يفكّر صناع القرار في استعمال هجوم فتاك ضدّ أفراد القوات الخاصة التركية كعذر لإغراق تركيا أكثر في المستنقع السوري؟ ما سبب العناد السياسي بعدم إخلاء الضريح؟
هل أسلحة القوات الخاصة التركية في الضريح ومعداتها ومؤنها كافية لمقاومة أي هجوم محتمل؟ هل من أسلحة ثقيلة ومركبات مدرّعة مناسبة للدفاع عن الضريح؟ هل جهزت خطط إخلاء الضريح وتعزيزه؟ هل جرى التدرّب عليها؟ في حال شُنَّ أيّ هجوم، هل يمكن إخلاء الضريح أو تعزيزه في الوقت المناسب؟

بحسب خبير أمني يعرف المنطقة جيدًا، تملك تركيا ثلاثة خيارات في ما يتعلّق بالضريح. الخيار الأوّل هو الاستمرار بالوضع من دون أي تغيير، والثاني هو الإجلاء المؤقّت لكتيبة الحراس، والثالث هو تعزيز الضريح بقوات مدرّعة. يرى الخبير أنّ الحكومة التركية لا تؤيّد الإجلاء ولا التعزيز، وهي تصرّ على الإبقاء على 50 إلى 60 عنصرًا مجهزًا بأسلحة خفيفة على الرغم من اشتداد الخطر، مع أنها لا تعاني أي نقص في إمكانياتها. لا بدّ من وجود تفكير استراتيجي وراء هذا القرار.

ما هو إذًا سبب إبقاء هؤلاء الجنود الذين يتراوح عددهم بين 50 و60 في مواجهة مثل هذه المخاطر وعدم اتّخاذ قرار الإجلاء أو التعزيز؟

كتب هنري باركي الأسبوع الماضي أنّ المراقبين المطّلعين على المسألة يزعمون أنّه لم يتمّ إجلاء كتيبة القوات الخاصة التركية أثناء التفاوض على الرهائن في 19 أيلول/سبتمبر وجرى الاحتفاظ بهم كوديعة أمنية لدى داعش.

لكنّ الخبير الأمني يقول إنّ هذه حجّة سطحية وللمسألة شقًا أعمق. فإنّ الحكومة التركية، عبر الإبقاء على أفراد القوات الخاصة التركية في الضريح، تبقي سيطرتها على الجيش التركي مع استعمال وجود الجيوش في الضريح لتبرير التدخل في سوريا. بعد المناقشة البرلمانية هذا الأسبوع للسماح للحكومة بالتدخل في سوريا، ستستعمل الحكومة التركية من دون شكّ أمن الضريح والجنود الذين يحرسونه كحجّة نافذة لأي إجراءات استراتيجية كإنشاء منطقة آمنة ومنطقة حظر جوي في سوريا.

يمكننا القول أيضًا إنّ الحكومة تحاول، عبر قولها إنّ "ضريح سليمان شاه جزء من الأرض التركية"، أن تستفيد من تزايد الشعور القومي في البلاد وبالتالي الحصول على دعم أكثرية الشعب.

باختصار، تحتاج الحكومة التركية إلى الضريح لتواصل سيطرتها على الجيش التركي ولتحفّزه على دخول سوريا؛ وللحصول على دعم الرأي العام بعد الموافقة البرلمانية؛ وفي النهاية، لتدافع بشكل أفضل على الساحة الدولية عن مبرّراتها للتدخّل في سوريا. لا تنوي الحكومة إخلاء الضريح قبل الحملة السورية المتوقّعة في أواخر شهر تشرين الأول/أكتوبر.

من الواضح أنّ مثل هذا العدد الصغير من عناصر الجيش التركي، بغض النظر عن جودة تدريبهم، لا يمكنه مقاومة داعش إلى أجل غير مسمّى. يُجهد رئيس هيئة الأركان العامة وقيادة القوات الخاصة التركية نفسيهما لإقناع صنّاع القرار السياسي باتّخاذ قرار الإجلاء، لكنّ حسابات الحكومة السياسية تتعارض مع هذه الجهود. تبقى المخاطرة التي تقوم بها الحكومة كبيرة للغاية، ففي حال لم يتم إدارتها بالشكل المناسب ولم تأتي الحسابات بالشكل الصحيح، قد يلقي مصير 50 إلى 60 جنديًا تركيًا في الضريح بظلال قاتمة على تصوّر "تركيا الجديدة" لحكومة داوود أوغلو.

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض تركية

al-monitor
زيادة حادّة في عدد الزائرين الإيرانيّين تنعش قطاع السياحة التركي
Paul Benjamin Osterlund |  السياحة | يون 17, 2018
al-monitor
ازدهار الصادرات التركية إلى سورية في ظل الحرب
فهيم تشتكين | اقتصاد و تجارة | يون 7, 2018
al-monitor
التطهير العسكري التركي ينسف صفوف الضباط والطيارين
متين گورجان | | ماي 29, 2018
al-monitor
صناعة الدفاع في تركيا عند منعطف حرج
متين گورجان | اقتصاد و تجارة | ماي 25, 2018