غياب الكهرباء يزيد معاناة الحلبيّين

ظلام موحش يخيّم على المكان، تشعر وكأنّ الزمن عاد بك مئات الأعوام إلى الوراء، إلى ما قبل اختراع الكهرباء. على مقربة من ركام المباني المدمّرة، ومن بين عشرات المباني الموحشة، ينبثق النور من بعض شرفات المنازل التي لا يزال يقطنها سكّانها، ليشعرك أنّ الحياة لا تزال هنا. أنت في حلب، العاصمة الاقتصاديّة وثاني أكبر مدن سوريا. لم تعد الكهرباء بالنسبة إلى الحلبيّين من المتطلّبات الأساسيّة...

al-monitor .

المواضيع

water security, water crisis, syria, power outages, islamic state, energy, electricity shortages, aleppo

أغس 12, 2014

ظلام موحش يخيّم على المكان، تشعر وكأنّ الزمن عاد بك مئات الأعوام إلى الوراء، إلى ما قبل اختراع الكهرباء. على مقربة من ركام المباني المدمّرة، ومن بين عشرات المباني الموحشة، ينبثق النور من بعض شرفات المنازل التي لا يزال يقطنها سكّانها، ليشعرك أنّ الحياة لا تزال هنا. أنت في حلب، العاصمة الاقتصاديّة وثاني أكبر مدن سوريا.

لم تعد الكهرباء بالنسبة إلى الحلبيّين من المتطلّبات الأساسيّة للحياة، فالانقطاع المستمرّ لها، جعل الأهالي يستغنون عنها شيئاً فشيئاً، وبات الحصول عليها عبر الشبكة النظاميّة من رفاهيّات الحياة.

كما أقدم العديد من السكّان على بيع أدواتهم الكهربائيّة، كالتلفاز والغسّالة والمكواة وغيرها من الأدوات التي لم تعد لها قيمة، في الوقت الذي تحوّلت فيه البرّادات إلى خزّانات مياه أو حتّى إلى مكتبات، وتحوّلت الميكرويفات إلى مخازن للمؤن.

قد يصادفك وأنت تمشي في شوارع حلب، أنّ حيّاً بأكمله ينتفض: الأطفال يحتفلون، النساء يطلقون الزغاريد، وربّما قد يترافق ذلك مع سماع بعض الأعيرة الناريّة... لم يطلق سراح المعتقلين القابعين في أجهزة الأمن السوريّة، ولم تنته سنوات الحرب، غير أنّ الكهرباء عادت إلى هذا الحيّ.

تختلف مدّة انقطاع الكهرباء من حيّ إلى آخر، فالأحياء التي يسيطر عليها النظام لا تشهد انقطاعاً لفترات طويلة، كما الحال في الأحياء التي تسيطر عليها المعارضة، التي تتعرّض إلى قصف يوميّ يتسبّب في أعطال دائمة. وما يزيد الطين بلّة، وقوع الأعطال ضمن مناطق اشتباك، لتصل فترة الانقطاع في بعض الأحيان إلى ما يزيد عن سنة.

فحيّ الفردوس على سبيل المثال، ظلّت الكهرباء مقطوعة عنه لفترة وصلت إلى سنة وثلاثة أشهر، بسبب عطل لحق بالمحطّة التي توصل الكهرباء إلى هذا الحيّ، مع عجز فرق الصيانة عن إصلاحها، قبل أن تقوم المعارضة بالضغط على النظام لتأمين خطّ بديل للحيّ، في الثالث عشر من أيار/مايو 2014.

تصل الكهرباء إلى حلب على مبدأ "بتعطيني كهربا بعطيك"، فانقسام محافظة حلب إلى ثلاثة أجزاء بين النظام والثوّار و"الدولة الإسلاميّة"، وسيطرة كلّ منها على جزء من خطوط شبكة الكهرباء، يجعل الأمر في غاية التعقيد.

فالمصدر الرئيسيّ للكهرباء لمحافظة حلب هو المحطّة الحراريّة في الريف الشرقيّ، وهي متوقّفة عن العمل منذ حزيران/يونيو 2013 بسبب الأعطال التي لحقت بها جرّاء المعارك الدائرة حولها، وهي الآن تحت سيطرة "الدولة الإسلاميّة".

وتصل الكهرباء حاليّاً إلى مدينة حلب، عبر خطّ "الزربة" وهو خطّ بديل يأتي من المنطقة الوسطى، ويسيطر كلّ من النظام والثوّار على أجزاء منه، وبالتالي فإنّ قطع أيّ طرف للكهرباء عن الآخر، سيواجه بالمثل من الطرف الثاني، ممّا يعني قطع الكهرباء عن كامل حلب.

وفي حديث إلى "المونيتور"، قال مدير الإدارة المحلّية التابعة للمعارضة أحمد ديري إنّ "التوتّر الوارد إلى حلب عبر خطّ "الزربة" لا يلبّي حاجات المحافظة، كما أنّ الاستفادة منه في كثير من الأحيان تكون غير ممكنة بسبب تضرّر الشبكة".

ففي أفضل الأحوال، لا تأتي الكهرباء أكثر من ستّ ساعات في اليوم ، بالتناوب بين أحياء المدينة، عدا الأعطال على خطّ "الزربة" التي اعتاد الحلبيّون السماع بها كلّ أسبوع، الأمر الذي يتسبّب في انقطاع كامل للكهرباء عن حلب، بوصفه المصدر الوحيد للتيّار.

وأضاف ديري: "النظام يريد تعطيل الحياة في المناطق المحرّرة، وبالتالي فهو يستهدف، متعمّداً، البنية التحتيّة فيها (..) فقد تمّ استهداف محيط محطّة هنانو بثلاثة براميل، وكذلك تعرّضت محطّتا حلب القديمة والصاخور إلى القصف. وإنّ إصلاح هذه المحطّات مكلف جدّاً وليس بالأمر السهل".

وعلى عكس أحياء حلب الشرقيّة التي أضحت أحياء أشباح بعد نزوح معظم سكّانها، إثر حملة القصف بـ"البراميل المتفجّرة" على المدينة التي دخلت شهرها الثامن، لا تزال أحياء حلب الغربيّة الخاضعة لسيطرة المعارضة كأحياء صلاح الدين والأنصاري والزبدية تنبض بالحياة. الأمر الذي أسهم في تعزيز انتشار المولّدات التشاركيّة فيها، أو ما بات يعرف محليّاً بـ"الأمبيرات"، حيث يقوم مستثمر بتشغيل مولّد كهربائيّ ذات قدرة كبيرة، ويقوم بتوزيع الكهرباء على سكّان الحيّ، من خلال اشتراكات أسبوعيّة محدّدة بأمبيرات معيّنة.

يقول رامي وهو أحد سكّان حيّ صلاح الدين: "سئمنا من الانقطاع المتواصل للتيّار. لم يعد في الإمكان الاعتماد على الكهرباء الواردة من الشبكة. لا مواعيد محدّدة لعودة الكهرباء، وفي كثير من الأحيان، ما تلبس الكهرباء تعود، حتّى يطرأ عطل جديد على الشبكة".

وأضاف: "على الرغم من تكاليف الاشتراك بالمولّدات، إلاّ أنّها الحلّ الوحيد حاليّاً، فليس في البيدّ حيلة (..) اشتركت بأمبيرين، وهي تكفيني لتشغيل التلفاز ومروحة وإنارة المنزل. أمّا الغسّالة والبرّاد، فننتظر عودة الكهرباء لتشغيلهما".

غياب الكهرباء كان له الأثر المباشر على القطاعات الخدماتيّة الأخرى، فشبكة المياه تحتاج إلى الكهرباء على مدار الساعة، من أجل تشغيل المضخّات التي تضمن وصول المياه إلى كلّ أحياء المدينة. ومع انقطاع الكهرباء المتواصل، تنقطع المياه أيضاً، ممّا يتسبّب في أزمات كارثيّة، تضاف إلى مخاطر القصف والقتل والاعتقال. وفي الوقت الذي لا توجد نوايا صادقة بتحييد القطاعات الخدماتيّة عن الحرب، يبدو أنّ معاناة السكّان ستتفاقم أكثر فأكثر.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو