نبض لبنان

رسالتان للأسد في خطاب تموز: الإصلاح والانفتاح

p
بقلم
بإختصار
لا يمر أسبوع من دون مرور مسؤول سوري ما في بيروت. غالباً، إما للسفر عبر مطار العاصمة اللبنانية، في ظل العقوبات المفروضة على حركة الطيران عبر مطار دمشق، وإما للاستشفاء في مستشفيات بيروت، حيث يتم الأمر بعيداً عن الإعلام ومن دون ذكر أي خبر.   على هامش تلك الزيارات  يتسنى لك أن تسمع الكثير عن أخبار البلد المجاور وأحوال حربه المستمرة منذ نحو 40 شهراً.  يروي أحد المسؤولين السوريين لموقعنا،...

لا يمر أسبوع من دون مرور مسؤول سوري ما في بيروت. غالباً، إما للسفر عبر مطار العاصمة اللبنانية، في ظل العقوبات المفروضة على حركة الطيران عبر مطار دمشق، وإما للاستشفاء في مستشفيات بيروت، حيث يتم الأمر بعيداً عن الإعلام ومن دون ذكر أي خبر.  

على هامش تلك الزيارات  يتسنى لك أن تسمع الكثير عن أخبار البلد المجاور وأحوال حربه المستمرة منذ نحو 40 شهراً.  يروي أحد المسؤولين السوريين لموقعنا، أن ما يشغل دمشق هذه الأيام، أكثر من انتفاضة "داعش" في العراق، وأكثر من معارك الغوطة الشرقية وآخر جيوب المسلحين في القلمون، وحتى أكثر من استعادة منطقة كسب على الحدود التركية إلى سيطرة الجيش السوري ... أكثر ما يشغل دمشق هذه الأيام، أخبار الحكومة السورية المقبلة.

في التوقيت، يقول المسؤول السوري أن أمام الرئيس بشار الأسد الذي أعيد انتخابه في 3 حزيران، هامشاً كافياً من الوقت. فهو الآن يعد لخطاب القسم الذي يفتتح ولايته الرئاسية الثالثة. والمفترض أن يلقيه في 17 تموز المقبل. بعدها يفترض أن يتم الإعلان عن الحكومة الجديدة. ما يترك الاعتقاد بأن الإعداد لتركيبتها يتم الآن بالذات. ويتابع المسؤول نفسه: من المرجح أن تحمل الحكومة السورية الجديدة رسالتين أساسيتين: أولاً الإصلاح في الدخل وخصوصاً محاربة الفساد والاستعداد لعملية إعادة الإعمار. وثانياً الانفتاح على "المعارضة الوطنية"، كما يسميها مسؤولو النظام. وهم يسارعون إلى تحديدها على أنها المعارضة التي لم تدع الخارج إلى ضرب سوريا، ولا تحمل فكراً أصولياً إرهابياً، والتي اقتنعت بالتخلي نهائياً عن العنف. في إشارة إلى المجموعات المسلحة التي هادنت السلطة في إطار عمليات "المصالحة الوطنية" في بعض الأحياء والمناطق.

ويشرح المسؤول نفسه: رسالة الإصلاح، كان الأسد قد أعطى أكثر من إشارة حيالها. إبعاد المتورطين في عمليات فساد، إنشاء صندوق لدعم عائلات ضحايا الأحداث، تحول إليه أموال وأملاك المتهمين بالإثراء على حساب المال العام أو نتيجة استغلال الأحداث، وصولاً إلى التلويح بقطع كل الرؤوس المشتبه بفسادها، أياً كان موقعها أو نفوذها.

أما رسالة الانفتاح على "المعارضة الوطنية"، فيقول المسؤول نفسه أنها جاءت نتيجة أكثر من عامل ودافع. أولاً، هناك ولاية رئاسية جديدة وضرورة تقديمها بصورة المصالحة وجمع كل السوريين. ثانياً، هناك الحاجة إلى استعاضة ما عن مسار مؤتمر جنيف. فالتطورات السورية الداخلية، كما الإقليمية والانشغالات الدولية، يبدو أنها طوته إلى مدى بعيد، أو قد أعلنت وفاته التامة. وهو ما دفع السلطات السورية نفسها، كما أصدقاءها الروس، إلى التفكير بالتعويض عن المسار الحواري الميت خارجياً، والتخفيف من الضغط الدولي على الداخل. وهو ما أعاد الكلام عن أن جنيف – 3 سيكون دمشق -1. ثم هناك دافع ثالث خلف رسالة الانفتاح، يضيف المسؤول السوري، وهو يتمثل في القراءة الدقيقة لنتائج الانتخابات الرئاسية السورية. يشرح المسؤول نفسه: صحيح أن الأسد نال أكثر  10 ملايين صوت ( وفق النتائج الرسمية نال 10 ملايين و319 الفاً و732 صوتاً، أي نسبة 88,7 بالمئة من أصوات المقترعين).  لكن ما كان لافتاً هو أن المرشح الثاني، حسان النوري، حصل على أكثر من  500 ألف صوت (نسبة 4,3 بالمئة من المقترعين)، وحصل المرشح الثالث، ماهر حجار، على أكثر من 372 ألفاً ( نسبة 3,2 بالمئة). وهي أعداد لايستهان بها. إذ ليس بسيطاً أن يكون هناك نحو مليون مقترع ملتزم بالنظام، لكن معارض للأسد. وهو ما يمكن أن يشكل أكثر من مليون ونصف مواطن سوري، إذا احتسبت عائلات هؤلاء. ثم إن التدقيق في الصناديق التي حاز فيها النوري وحجار غالبية أصواتهم، أظهر أن قسماً كبيراً منها يقع في مناطق كانت تعتبر مؤيدة للمعارضة المسلحة. ما يعني أن هناك فعلاً مواطنين سوريين تخلوا عن لغة العنف وقرروا اعتماد المعارضة السلمية. وهو ما يقتضي من النظام ملاقاتهم والانفتاح عليهم. يبقى دافع رابع وأخير خلف رسالة الانفتاح، وهو تهافت عدد كبير من مسؤولي المعارضة خارج سوريا، على الاتصال بسلطات دمشق وفتح قنوات الحوار معها. نعم، يؤكد المسؤول السوري، الرئيس السابق لائتلاف المعارضة، أحمد معاذ الخطيب، اتصل بالسلطات السورية والتقى ممثلين عنها. كذلك لؤي صافي. فضلاً عن أكثر من عشرين قيادياً ممن كانوا ضمن ما سمي "مجلس اسطنبول" في حينه. هكذا بدا أن كل الأجواء والمناخات تشجع على الانفتاح. وأن التوقيت مثالي مع بداية ولاية رئاسية جديدة. وهو ما يتوقع أن يقدم عليه الأسد.

يختم المسؤول نفسه: قد لا يكون التغيير هذه المرة على مستوى رئاسة الحكومة. لكن تغييراً كهذا قد لا يكون مستبعداً في غضون أشهر قليلة. وقد يكون مرتبطاً بنتائج التفاوض مع قياديين آخرين أكثر ثقلاً وتمثيلاً في المعارضة. والترقب والتفاوض نفساهما، قد لا يشملان موقع رئيس الحكومة وحسب، بل أحد مواقع نواب الرئيس كذلك. فسلطات دمشق حريصة  على تأكيد جديتها في الإصلاح، كما في الانفتاح.

وجد في : syrian civil war, syria, opposition, government reform, damascus conference, damascus, bashar al-assad, assad regime

جان عزيز كاتب مساهم في صفحة "نبض لبنان" على موقع المونيتور. وهو كاتب عمود في صحيفة الأخبار اللبنانية ومقدم برنامج حواري سياسي أسبوعي على محطة OTV التلفزيونية اللبنانية. وهو يدرّس أيضًا الإعلام في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا (AUT) وجامعة الروح القدس - الكسليك في لبنان.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X