نبض العراق

حرب المياه: بغداد بين العطش والغرق

p
بقلم
بإختصار
تستخدم الحكومة العراقيّة اليوم وكذلك الجماعات المسلحة في البلاد المياه، كأداة في صراعهما. وفي صورة مضحكة مبكية، انقسمت بغداد قبل أيام إلى نصفَين: نصف يعاني من انقطاع المياه ونصف آخر يغرق في المياه.

تتزايد مشاكل العراقيّين يوماً بعد آخر، وهم يعانون الأمرَّين من جرّاء سوء إدارة الحكومة وعنف الجماعات الإرهابيّة التي أصبحت منتشرة في كل إنحاء البلد. وفي آخر التطوّرات، اتّجه كل واحد من الطرفَين -الحكومة والجماعات المسلحة- إلى استخدام المياه كأداة في صراعه مع الآخر. وفي صورة مضحكة مبكية، انقسمت بغداد قبل أيام إلى نصفَين: نصف يعاني من انقطاع المياه ونصف آخر يغرق في المياه.

انطلقت فكرة حرب المياه من الأنبار، حيث تحوّلت العمليات العسكريّة المحدودة تدريجياً إلى حروب غير منتظمة يصعب الحسم فيها لصالح أي من الطرفَين، وذلك بسبب طول مدّتها ونوعيّة القتال الجاري هناك. فلجأ قادة عمليات الأنبار إلى ذلك قبل نحو عشرين يوماً عندما أغلق الجيش سدّ حديثة (240 كيلومتراً غرب بغداد) بهدف إغراق المناطق التي يتمركز فيها المسلحون. وقد تسبّب ذلك في إغراق مناطق سكنيّة أيضاً، بالإضافة إلى قطع المياه عن مناطق أخرى في الأنبار.

في المقابل، دفعت تلك الخطوة الجماعات الإرهابيّة إلى استخدام التكتيك نفسه. فقابلت هذا الفعل بمثله حين أغلقت ناظم الفلوجة في أوائل نيسان/أبريل الجاري، لبلوغ هدفَين محدَّدين: أولاً، إغراق المناطق المجاورة للفلوجة والتي تخضع لسيطرة الجيش. وسرعان ما أدّى ذلك إلى تعطيل سير حركة مركبات الجيش ومنعته من المضيّ بعملياته العسكريّة. ثانياً، التضييق على المحافظات الجنوبيّة ذات الأكثريّة الشيعيّة، بمنع وصول المياه إليهم. وقد أدّى ذلك إلى نقص كبير جداً في المياه في محافظة النجف على سبيل المثال. وهو ما دفع الحكومة المحليّة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لتجنّب قطع المياه عن المدينة.

وفي تطوّر آخر يخصّ ملف حرب المياه، قام بعض الإرهابيّين قبل أسبوعَين بتفجير أنابيب النفط في ناحية العلم التابعة لمدينة تكريت (160 كيلومتراً شمال بغداد)، ما أدّى إلى تلويث نهر دجلة بشكل كبير. فقد طافت بقع كبيرة من الزيوت على سطح النهر وشبّت حرائق كبيرة جداً في مناطق مختلفة واقعة على ضفافه، من تكريت وصولاً إلى مناطق قريبة من بغداد.

وبعد أن بلغ التلوّث المائي بغداد، أعلنت أمانة بغداد في 23 نيسان/أبريل الجاري عن وقف عمليّة ضخّ مياه الشرب إلى قسم من المناطق السكنيّة في بغداد، بسبب عجز المصافي عن معالجة المياه الملوّثة بشكل كبير. وقد أفاد شهود عيان "المونيتور" بوجود بقع كبيرة من التلوّث النفطي في مواقع مختلفة من دجلة في ضواحي بغداد. أما الأمانة فأوصت المواطنين باستخدام المياه المعبأة في قوارير، للشرب والنظافة والاستخدامات الأخرى.

ويجري ذلك في حين أن المناطق الغربيّة من بغداد مثل أبو غريب وضواحيها قد غرقت من جرّاء السيول والفيضانات، نتيجة تحكّم الإرهابيّين بناظم الفلوجة بحسب ما ذكر آنفاً. وقد أدّى الأمر إلى تشرّد سبعمائة عائلة وغرق ستّ قرى بالكامل. وأعلن نواب في البرلمان ومسؤولين محليّين عن أعداد تخمينيّة للضحايا والخسائر التي تنبئ بوقوع كارثة إنسانيّة كبيرة جداً، إذ هدّم أو تضرّر عشرة آلاف منزل وأكثر من ستين مدرسة وغرق 29 مركزاً انتخابياً بالكامل. وثمّة أنباء عن أعداد غير قليلة من القتلى والجرحى، لم يعلن عنها لحدّ الآن. وقد عبّر الخبراء عن تخوّفهم الكبير من تزايد الخسائر والضحايا في الأيام المقبلة، عندما تصل الفيضانات إلى مناطق الشعلة والعامرية وحي الجهاد ومناطق أخرى قريبة من مطار بغداد في خلال يومَين إلى ثلاثة أيام، في حال لم تتمّ السيطرة على سدّ الفلوجة. وقد أعلنت الأمم المتحدة منطقة أبو غريب "منطقة منكوبة"، وقال الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق نيكولاي ملادينوف إن المنظّمة الأمميّة على استعداد تام لتقديم المساعدة لآلاف الأسر المتضرّرة من جرّاء إغراق الأراضي في أبو غريب والفلوجة.

قد لا تكون حرب المياه قد وضعت بعد كل أوزارها، إذ ثمّة إمكانيات كثيرة أخرى لدى أطراف النزاع قد تستخدم للتلاعب بصحة المواطنين العراقيّين وحياتهم، من خلال إغلاق السدود أو تفجيرها أو تسميم المياه. ومن شأن ذلك أن يسعّر الصراع المعقّد في الأساس ويأخذه في اتجاهات أكثر تعقيداً، ما سيبعد احتمال تطبيق الحلول العقلانيّة ويؤدّي بالجميع إلى الخسارة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : water security, water management, security, politics, iraq, bagdad, anbar province

علي المعموري هو باحث وكاتب متخصص في الدين. وهو كان مدرس في الجامعات الإيرانية والحوزات في إيران والعراق. وقد نشرت له العديد من المقالات ذات الصلة بالشأن الديني في البلدين والتحولات المجتمعية والطائفية في الشرق الأوسط.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept