نبض مصر

المنيا والفتنة الطائفيّة في مصر

p
بقلم
بإختصار
تتكرّر الحوادث الطائفيّة بين المسلمين والمسيحيّين في محافظة المنيا، ومنها تنطلق شرارة الفتنة الطائفيّة من حين إلى آخر. وقد شهدت المنيا في العام 2013 أكبر عدد من حوادث الفتنة بسبب الاتهامات التي وجّهتها الجماعات الموالية للإخوان المسلمين إلى المسحيّين وقد لامتهم على مشاركتهم في أحداث 30 يونيو التي أطاحت بالرئيس السابق محمد مرسي. لكن كل حادث ينتهي بجلسة عرفيّة تتصافح فيها القيادات الإسلاميّة والمسيحيّة أمام كاميرات التلفزة، من دون إيجاد حل جذري يضمن عدم تكرار مثل تلك الحوادث، بينما تظل القلوب تحمل كرهاً للآخر المختلف.

المنيا - مصر، تحت عنوان "المنيا ما زالت مركز العنف الطائفي"، كانت المبادرة المصريّة للحقوق الشخصيّة قد أصدرت تقريرها في العام 2009 حول حريّة المعتقد.

وجاء في هذا التقرير أن المنيا مستمرّة في كونها مركزاً رئيسياً للعنف الطائفي، سواء كان ذلك مرتبطاً ببناء الكنائس أو إقامة المسيحيّين شعائرهم الدينيّة أو على خلفيّة شائعات بشأن علاقات عاطفيّة بين مسلمين ومسيحيّين (وعلى سبيل المثال ما حصل في قرية السنقوريّة في مركز بني مزار) أو في حالات مشاجرات عاديّة سرعان ما تتحوّل إلى عنف جماعي بين مسلمين ومسيحيّين (على سبيل المثال ما جرى في قرية دفش في مركز سمالوط، وقرية الإسماعيليّة في مركز المنيا، وقرية جرجاوي في مركز مطاي).

اليوم وبعد مرور خمسة أعوام على هذا التقرير، نجد أن الحوادث الطائفيّة ما زالت تسجّل في المنيا بين الحين والآخر، بخاصة بعد أحداث فض اعتصامَي رابعة العدويّة والنهضة المؤيّديَن للرئيس المعزول محمد مرسي في 14 آب/أغسطس 2013، حين تحوّلت شوارع مدن محافظة المنيا مسرحاً لأحداث دامية. فقد حاولت الجماعات الموالية لجماعة الإخوان المسلمين الانتقام من المسيحيّين الذين يعتقدون أنهم هم الذين ثاروا على مرسي. فتمّ حرق عدد كبير من الكنائس والمؤسسات والممتلكات المسيحيّة في مدينة المنيا في 14 آب/أغسطس وفي الأيام القليلة التي تلته. حدث ذلك في معظم مراكز المحافظة، أما الوقائع الأكثر عنفاً فسجلت في مراكز ملوي ودير مواس أيضاً.

وبعد هذه الأحداث، صدر تقرير في 23 أيلول/سبتمبر 2013 عن بعثة تقصّي الحقائق في المركز القومي للسياسات العامة، بعنوان "مضطهدون باختلاف الأنظمة الحاكمة - مسيحيّو مصر بين العنف الطائفي وإهمال الدولة".

وقد بيّن التقرير أن المنيا شهدت أكثر الأحداث عنفاً، بخاصة قرية دلجا التي شهدت  تخريب 27 منزلاً وتشريد 62 أسرة.

ومنذ فض اعتصام رابعة العدويّة، تتوالى حوداث الفتنة الطائفيّة في المنيا. فعقب الأحداث المشار إليها سابقاً وما تبعها في قرية دلجا نتيجة الخلاف السياسي، تعدّدت الأسباب اللاحقة. فقد نشب خلاف بين قريتَي الحوارتة ونزلة عبيد التابعتَين لمركز المنيا، قتل فيه أربعة أشخاص اثنَين من المسيحيّين وآخرَين من المسلمين بسبب خلاف على قطعة أرض، في الأول من كانون الأول/ديسمبر 2013. 

وبعد أيام قليلة على ذلك، تمّ حرق جميع منازل المسيحيّين في قرية البدرمان بعد مقتل شاب مسلم من القرية نفسها بسبب قصة حب نشأت بين شاب مسيحي وجارته المسلمة. 

إذاً، كان العام 2013 عام الفتنة الكبرى في المنيا وقد سجّل فيه أكبر عدد من الكنائس المحروقة وعدد كبير من قتلى الفتنة الطائفيّة.

يقول رئيس لجنة المصالحات في مركز المنيا عواد الفرجيني لـ"المونيتور" إنه "في العام 2013 وحده، أجرينا عشرين جلسة مصالحة بين مسلمين ومسيحيّين لإنهاء الخلافات. وهو رقم ضخم مقارنة بالأعوام الماضية". ويشرح أنه في خلال هذه الجلسات "يتمّ الحكم على أحد الطرفَين بحضور قيادات مسيحيّة وأخرى مسلمة إلى جانب قيادات المحافظة والكنيسة في المنيا. ويلزَم طرفَي النزاع بدفع مبلغ مالي ضخم قد يصل إلى مليونَي جنيه مصري، مثلما حدث في حالة قريتَي الحوارتة ونزلة عبيد. ومن يقوم بخرق الصلح يتحمّل العقوبة".

ويرى الفرجيني أن الجلسات العرفيّة أكثر جدوى من اللجوء إلى القضاء، لأنها تنهي الخلاف بسرعة ولا تمتدّ لسنوات مثل ما يحدث في القضايا التي ترفع أمام القضاء العادي، بسبب الاستئناف والنقض. فالجلسات العرفيّة لا تلحظ أي استئناف أو نقض. ويعيد الفرجيني زيادة عدد الخلافات الطائفيّة في المنيا في العام الأخير 2013، إلى تعنّت العناصر الإخوانيّة والمتطرّفة في المحافظة والتي تظن أن الأقباط هم أحد أسباب سقوط مرسي ونظام الإخوان، بالإضافة إلى حالة الانفلات الأمني التي سادت مصر عقب ثورة 25 يناير 2011.

من جهته، يرى مدير أمن محافظة المنيا اللواء أسامة متولي  في حديث إلى "المونيتور" أن "المعالجة الأمنيّة وحدها لا تكفي في المنيا. ففي هذه المحافظة ما من تنمية بالقدر الكافي أو مشروعات يمكنها استقطاب طاقة الشباب لتحميهم من استغلال بعض الأشخاص من أصحاب المصلحة لهم، في هذا النوع من الفتن. وعلى سبيل المثال الإخوان المسلمون أو بعض الجماعات ذات المصالح".

وعن صعوبة معالجة مثل هذه الحوادث الطائفيّة في المنيا، يقول متولي "تواجهنا صعوبات كثيرة أبرزها أن الناس هنا شديدو الاندفاع. فلا تكاد شرارة الفتنة تنطلق من خلافات بسيطة جداً أحياناً، حتى يتحوّل الأمر إلى كارثة طائفيّة". يضيف "لا نسطيع أن نتوقع حادثاً معيناً لنرتّب كيفيّة التعامل معه. لذا فإن مشكلة المنيا لن تحل إلا على مستوى الدولة، بدءاً من تعليم النشء وخطابات الأزهر والإعلام. فالمشكلة أكبر من كونها مشكلة أمنيّة".

يوافق الأسقف العام للمنيا وأبي قرقاص الأنبا مكاريوس على هذه النقطة الأخيرة، ويقول لـ"المونيتور" إن "هذا الوضع يحتاج إلى تغيير ثقافة المجتمع كي يتقبّل الآخر شريكاً له في الوطن. ولتغيير هذه الثقافة يجب أن تبدأ الحكومة بنفسها". ويشرح "يجب التركيز على التعليم وثقافة الأجيال الجديدة لأن الاحتقان موجود منذ عقود والوضع قابل للاشتعال في أي وقت. والمنيا على هذا الحال منذ سنوات، وقد فشلت الحكومات المتعاقبة في حلّ هذه المشكلة بسبب عدم البحث في الجذور".

ويعزي الأنبا مكاريوس "ما يحدث في المنيا من عنف طائفي إلى إهمال الدولة للصعيد بالكامل على مدى العقود الماضية، ما جعله مرتعاً للجماعات الإرهابيّة في تسعينيات القرن الماضي. والمنيا على وجه الخصوص اجتمع فيها المثلث المكروه: الفقر والمرض والجهل. فهي تعاني من نسبة بطالة كبيرة وتصل النسب الإجمالية للعاطلين عن العمل في مصر الذين يأتون من محافظة المنيا إلى 81،6% تقريباً، إلى جانب ارتفاع أعداد مرضى الفشل الكلوي والكبدي بالإضافة إلى أن نسبة الأمية فيها مرتفعة وتبلغ 38،2% تقريباً. وهو ما أدى إلى انتشار الجماعات الإرهابيّة والفكر المتطرّف منذ سنوات عديدة. ولم يتغيّر الموقف الآن، بل إن معظم قيادات الجماعة الإسلاميّة خرجت من المنيا". يضيف "لم يأتِ محافظ إلى المنيا واهتم بقراها ونجوعها أو عشوائياتها. لذا لم يتغيّر شيء مقارنة بالتسعينيات أو الثمانينيات. هو الفكر المتطرّف نفسه".

ويرى مكاريوس أن "الجلسات العرفيّة حل لا تعترف به الكنيسة. فهي ليست حلاً جوهرياً يبحث في أعماق المشكلة، بل مجرّد تجميل سطحي تتلاقى في خلاله الأيادي أمام كاميرات التلفزيون  ويتمّ تبادل الابتسامات، بينما تظل القلوب مشحونة تجاه الآخر".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : security, sectarian violence, politics, muslims, egypt, coptic christians
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept