بِرَسْمِ القانون... سِفاح القُربى في غزة سبباً في سقوطِ بعض الفتيات بوحلِ الدعارة

أجمعت الديانات السماوية الثلاث والشرائع والقوانين الانسانية على حرمانية الاعتداءات الجنسية على الأقرباء (سفاح القربى)، واعتبرتها من الكبائر التي تهدد أمن المجتمع، نظراً لأنها تبدأ في خلخلة نواته الأولى وهي الأسرة. ورغم القاعدتين التحريمية والتجريمية التي اجتمع عليها بني البشر، يشذ البعض عنهما في المجتمعات العربية والغربية على حدٍ سواء، بما في ذلك المجتمع الفلسطيني، وتُمثّل بعض القصص...

al-monitor .

المواضيع

violence against women, sex trade, rape, marriage, gaza strip, domestic violence, abuse

مار 26, 2014

أجمعت الديانات السماوية الثلاث والشرائع والقوانين الانسانية على حرمانية الاعتداءات الجنسية على الأقرباء (سفاح القربى)، واعتبرتها من الكبائر التي تهدد أمن المجتمع، نظراً لأنها تبدأ في خلخلة نواته الأولى وهي الأسرة.

ورغم القاعدتين التحريمية والتجريمية التي اجتمع عليها بني البشر، يشذ البعض عنهما في المجتمعات العربية والغربية على حدٍ سواء، بما في ذلك المجتمع الفلسطيني، وتُمثّل بعض القصص في قطاع غزة هذا الشذوذ الذي يُخالف طبيعة المجتمع الفلسطيني المتديّن.

سماح ابنة الثالثة والعشرين ربيعاً، من شمال قطاع غزة، كانت ضحية لشقيقها الأكبر والذي انتهكَ جسدها مراتٍ عدة حتى أصبحت بائعة هوى.

في بادئ الأمر حاول شقيقها، مدمن عقار الترامادول المخدّر، الاعتداء عليها وهي بعمر السادسة عشر، ففرَّت إلى الشارع واحتجزتها الشرطة احترازاً حتى تزوَّج بها رجل "شريف"، وفق قولها، إلا أن شقيقها عاد ليهددها بالتفريق بينها وبين زوجها إن لم تسرق لأجله، وللأسف سرقت وأُكتشف أمرها مما أدخلها السجن بجريمة السرقة وطُلّقت على إثر ذلك.

عادت سماح هذه المرة إلى منزل شقيقها منكسرة الجناح، وبقي الفخ منصوباً لها، إذ أدمنت بمساعدته وزوجته على عقار الترامادول، وكان من السهل عليه انتهاك جسدها المخدَّر حتى أصبح الأمر بالنسبة لها عادياً، خاصةً بعد اكتشافها بأن شقيقاتها الثلاث يعاشرنه معاشرة الأزواج.

امتهنت الفتاة التي هان عليها جسدها مهنة الدعارة، وأُلقي القبض عليها مؤخراً وقد تغيَّر شكلها، إذ كشفت شعرها وارتدت جينز ضيق ورافقت أكثر من شاب في ليلة واحدة.

مدير عيادة رفح النفسية الحكومية الدكتور يوسف عوض الله قال :"تتأثر الفتاة التي تتعرض لتحرشٍ جنسي أو اغتصاب نفسياً بشكلٍ كبير ويؤثر الأمر عليها طوال عمرها"، مشيراً إلى أن الصدمة تكون مضاعفة إذا كان مُرتكب التحرش أو الاغتصاب من أقاربها.

ولفت إلى أنه في حالة سِفاح القُربى تستخدم الفتاة التي يقع عليها الجُرم حيلة دفاعية نفسية يطلق عليها علمياً "التوحد مع المُعتدي" وهي عبارة عن انتقامها من الجاني الأول عبر ضحايا جدد، مؤكداً أن السِفاح شذوذ وانحراف جنسي لا يخلو منه مجتمع في العالم.

وأشار عوض الله إلى أن مشاعر الكراهية والحقد تتولَّد في نفس الفتاة نحو الرجال، وتعزف بالتالي عن الزواج، مضيفاً :"تتجه بعض الفتيات إلى تدمير الذات نتيجة الصدمة الكبيرة التي تتعرض لها، واستسهال الرذيلة هو أحد الطرق التي تجرّبها الفتاة المُتحرَّش بها أو المغتصبة".

الباحث في انتشار سفاح القربى وانحراف المعتدى عليهن، يجد أن الأسباب الرئيسية تبدأ من الأسرة، اللبنة الأولى في بناءِ المجتمعات، إذ تقول الأخصائية النفسية والاجتماعية في المركز الفلسطيني للديمقراطية وحل النزاعات حنان ضاهر :"الصمت من الأمور السلبية الأبرز التي يرتكبها الأهل بحق بناتهن".

وتابعت :"تسلك الفتاة التي تتعرض لسِفاح القربى إلى طريقين، فهي إما تستهون الأمر وتبحث عن إشباع رغبتها بطرق غير شرعية، أو ترتكب جرائم أخرى انتقاماً من المجتمع".

وأكدت ضاهر أن 80% من سجينات سجن غزة على قضايا أخلاقية تعرضن منذ صغرهن للاعتداءات الجنسية من قبل الأهل أو الأقارب، إضافةً إلى بعضهن أُجْبِرنَ على مشاهدة أفلام وصور إباحية.

في المقابل يُشير أخصائيين نفسيين آخرين الى أسباب اجتماعية عدة رفعت من معدل جريمة سَفاح القربى في قطاع غزة، حيث قال أخصائي الصحة النفسية والمجتمعية في عيادات صحتي النفسية الدكتور أحمد الخالدي إن بعض الحالات ظهرت في العائلات الممتدة التي تقطن في بيتٍ واحد، إذ تكون الضوابط الاجتماعية في ذلك الوسط ضعيفة مقارنةً بغيرهم من العائلات المنفصلة، فيما يكون الاحتكاك بين الأقارب أكثر.

وأضاف :"غياب الوازع الديني لدى البعض سبباً رئيسياً كذلك، ناهيك عن تكتُّم العائلات التي تشهد حالات سَفاح قربى، وعدم معاقبة الجاني الأمر الذي يؤدي إلى زيادتها".

وقدَّر الخالدي أنه بين كل ألف شخص تعرَّض خمسة لجرائم السِفاح، غير أنها إحصائية غير رسمية وفق قوله، متابعاً :"نواجه مشكلة نظرة المجتمع الخاطئة لحالات الأمراض النفسية، فما بالك في حالات سِفاح القربى".

وأشار الى أن كل الأسباب السابق ذكرها ينتج عنها انحرافات سلوكية أو أمراض نفسية، حيث أن "الانحرافات السلوكية واردة جداً لأن الفعل ذاته هو انحراف سلوكي" وفق قوله، مشيراً إلى أن الممارسين لفِعل السِفاح يعزفون عن الزواج.

وذكرت المادة 155 والتي تحمل عنوان "السِفاح" من قانون العقوبات الانتدابي رقم 74 لسنة 1936 المعمول به في قطاع غزة أن "كل من واقع بنتاً غير متزوجة تجاوزت السادسة عشرة من عمرها ولم تتم الحادية والعشرين مواقعةً غير مشروعة أو ساعد أو عاون غيره على مواقعتها مواقعة غير مشروعة وكانت البنت من فروعه أو من فروع زوجته أو كان وليّها أو موكلاً بتربيتها أو ملاحظتها، يعتبر أنه ارتكب جناية ويعاقب بالحبس مدة خمس سنوات"

المحامية فاطمة عاشور بيَّنت أن المادة قاصرة من عدة جوانب قائلة :"نص القانون المعمول به على أن عقوبة اغتصاب القريبة عقوبته خمس سنوات، في حين حدد عقوبة اغتصاب غير القريبة 14 سنة، وكأنه يُشجّع على اغتصاب الأقارب، ناهيك عن أنه تحدَّث فقط عن اغتصاب القريبه الصغيرة غير المتزوجة ولم يذكر اغتصاب القريبة الكبيرة المتزوجة".

وأشارت إلى أن العادات والتقاليد دائماً لا تُجيز الافصاح عن حالات السِفاح، والخوف يمنعهم من اتخاذ اي اجراء، متابِعةً :"ورغم أننا نسمع عن بعض القصص التي تصل الى الشرطة أو النيابة، إلا أنه عادةً ما يتم تغيير التهمة أو إغلاق الملف بعد إجراء صُلح للحفاظ على اسم وسمعة العائلة".

الهيئة المستقلة لحقوق الانسان أصدرت في العام 2012 تقريراً قانونياً بعنوان "السِفاح قتل للروح"، أعدته الباحثة والمحامية خديجة برغوثي، وأكدت فيه أن القانون الفلسطيني ساوى ما بين المعتدي والمعتدى عليها.

وقالت الباحثة برغوثي أن التقرير جاء نتيجةً للمراجعات التي قامت بها للقانون فيما يتعلَّق بجريمة السِفاح، مضيفةً :"لفت انتباهي أننا بحاجة لعمل دراسة قانونية تحليلية لموقف القوانين النافذة في مناطق السلطة الفلسطينية حول تعامل القوانين مع السِفاح، وهل يؤدي القانون دور ايجابي في الحد من هذه الممارسات أو  يُكرّس ممارسات تمييزية تساهم في رفع هذه الجريمة، وفق تعبيرها.

القانونان الأردني المعمول به في الضفة الغربية والانتدابي المعمول به في قطاع غزة يَعتبران أن السِفاح فِعل بالتراضي بين القريب وقريبته، إذ يَعتبر القانون في غزة الإرادة الحُرَّة والتمييز مرتبطاً بالزواج، وإذا تزوَّجت الأُنثى تكون قادرة على التمييز وإدراك حقيقة الأمور الجنسية، وبالتالي إذا مارست الجنس مع أحد أقربائها يعتبر الأمر قانونياً "سفاحا".

وتشير برغوثي إلى أن الإشكالية بجريمة السِفاح ليس فقط في العقوبة، إنما باعتبار القانون المرأة والرجل متكافئين في الإرادة، أي أنهما لديهما إرادة حُرَّة كاملة في ممارسة الفعل ويكونا مسئوليْن عن نتائجه، إلا أن العقوبة يجب أن تكون على الفاعل، وفق قولها.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض فلسطين

al-monitor
نزع سلاح "حماس" على رأس أهداف صفقة القرن
عدنان أبو عامر | غزّة | فبر 14, 2020
al-monitor
عبّاس يطرح على مجلس الأمن مبادرة مضادّة لصفقة القرن
أحمد ملحم | دونالد ترامب | فبر 14, 2020
al-monitor
جدار مصريّ جديد على الحدود مع غزّة لمنع تسلّل المتشدّدين
رشا أبو جلال | سيناء | فبر 14, 2020
al-monitor
الفلسطينيّة ناديا حبش حوّلت العمارة إلى نضال وطنيّ
عزيزة نوفل | التراث الثقافي | فبر 13, 2020