إن الحساسية الفائقة للمؤسسة العسكريّة تتطلب أن يتعامل أعضاؤها المنتمون إليها بحذر شديد لتجنّب أي تصرّف طائفي أو عنصري. وهذا أمر يتطلب تشريعات وقوانين خاصة وإرادة جادة من قبل المشرفين على الجيش من الحقلَين السياسي والعسكري.
.
مار 14, 2014
إن الحساسية الفائقة للمؤسسة العسكرية تتطلب أن يتعامل عناصرها المنتمون إليها بحذر شديد لتجنّب أي تصرّف طائفي أو عنصري. وهذا أمر يتطلب تشريعات وقوانين خاصة وإرادة جادة من قبل المشرفين على الجيش من الحقلَين السياسي والعسكري. لكن لا شيء من هذا القبيل يتوفّر في العراق، بل ثمّة سلوكيات طائفيّة كثيرة تسجّل لدى الجنود والضباط، ما يشوّه مهنيّة الجيش بشكل ملاحظ جداً.
فقد سجّلت حالات كثيرة رفعت في خلالها وحدات من الجيش العراقي أعلاماً دينيّة أو أطلقت هتافات دينيّة خاصة بطائفة محدّدة. وهذا ما تسبّبب بنقاش حاد وواسع النطاق بين السياسيّين العراقيّين حول مشروعيّة ما يحصل. فهل يعتبر ذلك حقاً طبيعياً يندرج تحت عنوان حريّة المعتقد والتعبير أم أداءً غير قانوني إذ إن أفراد الجيش لا يمثلون أشخاصهم بل المؤسسة العسكريّة بوصفها ملكاً عاماً للدولة العراقيّة؟ وقد أدى ذلك إلى تصريح الوكيل المعتمد للسيستاني الشيخ حسين آل ياسين بأن استخدام الشعارات والرموز الدينيّة في مؤسسات الدولة أمر غير مقبول ويجب أن يتوقّف.
لكن الممارسات الآنفة الذكر لم تتوقّف، بل ظهرت أخرى ذات اتجاه طائفي صريح في خلال عمليات الأنبار الأخيرة والتي ما زالت مستمرّة على الأرض. وقد ترافق بعضها بانتهاكات لحقوق الإنسان، وعلى سبيل المثال حرق جثث القتلى بالتزامن مع إطلاق هتافات دينيّة احتفاليّة. وبالإضافة إلى السلوك الطائفي ذي البعد الديني، ثمّة نماذج من التلفيق ما بين الشعارات الدينيّة والممارسات العشائريّة التي ترسّخ الثقافة القبليّة ذات مضامين الثأر والانتقام. وهذا ما يجب على الجيش الابتعاد منه بشكل حاسم وجاد، منعاً لحدوث تصرّفات غير مهنيّة من قبل عناصره.
وقد سجلت سابقاً حالات عديدة من السلوكيات المناقضة لحقوق الإنسان، أتى بها جنود وضباط في الجيش العراقي من دون أن يتبعها أي تحقيق أو محاكمة لمعاقبة المتورّطين فيها. ومن تلك الانتهاكات، الاعتداء على النساء وضرب المعتقلين وقتل المدنيّين والتنكيل بجثث القتلى. وعندما تترافق هذه الممارسات غير الإنسانيّة مع شعارات دينيّة، فإنها ستكون ذات تبعات سيئة وخطيرة جداً على الوضع الطائفي غير المستقرّ في الأساس.
ويأتي هذا كله في حين أن الدول المتحضّرة تمتلك قوانين وأعراف إداريّة وإجراءات قضائيّة صارمة ومتشدّدة جداً بخصوص التصرّفات ذات الطابع العنصري أو الطائفي كيفما اختلفت. وهي تتعامل بمنتهى الجديّة في حالات مماثلة، خصوصاً في حال حصول ذلك في مؤسسات الدولة وبالأخصّ تلك الحساسة منها مثل مؤسسة الجيش. وعلى سبيل المثال أجرى الجيش الأسترالي في العام 2011 تحقيقاً وقام على أثره بمعاقبة أحد جنوده بسبب نشره تعليقاً هزلياً على موقع "فيسبوك" يتضمّن تعابير عنصريّة تطال "الآخر". أضف إلى ذلك وجود برامج تعليميّة وتثقيفيّة للجنود، تتناول التنوّع الثقافي وضرورة احترام الآخر والابتعاد عن أي تصرّف قد يوحي بالعنصريّة والتمييز العرقي والجنسي والديني.
تسجّل في نشرتنا الإخباريّة
كذلك، ثمّة عدد من الاتفاقيات الدوليّة التي توجب على الدول اتخاذ التدابير كافة لمنع حدوث أي نوع من الممارسات العنصريّة وكل ما من شأنه أن يتسبب بأجواء غير متسامحة وبانتهاكات مختلفة لحقوق الإنسان. وتفرض تلك الاتفاقيات على الدول تشريع قوانين مكافحة كل ما سبق ذكره ومتابعة المخالفات بكل جديّة. وعلى سبيل المثال، تنصّ المادة 20 من الاتفاقيّة الخاصة بالحقوق المدنيّة والسياسيّة على وجوب حظر كل أنواع الدعاية والتحريض للحرب بموجب القانون، وهذا يشمل أغلب ما سبق من أمثلة.
في ضوء ما سبق، يجب على الحكومة العراقيّة القيام بما يأتي: أولاً، دراسة مشروع قانون متكامل لمكافحة العنصريّة والتمييز والطائفيّة بكل مفاعيلها ومن ثم طرحه على مجلس النواب للتصويت عليه. ثانياً، إيجاد وحدات تدريبيّة قانونيّة في الجيش لتدريب الجنود والضباط على تلك القوانين بشكل مستمرّ. ثالثاً، إيجاد مكاتب تحقيق ومحاكم قضائيّة خاصة بالمخالفات المرتبطة بهذا القانون ومعاقبة المتورّطين في أسرع وقت وبشكل صارم جداً.
المزيد من علی معموري
المزيد من نبض العراق



