نبض فلسطين

إصدرا عملة فلسطينية حلم ينتظر المصالحة الوطنية و الاستقلال السياسي

p
بقلم
بإختصار
إعادة الجنيه الفلسطيني للحياة مرة اخرى , حلم راود الفلسطينيون طويلا و مازال ، بين إغراء المشاعر الوطنية و الرغبة في تعزيز مظاهر السيادة و بين واقع الاقتصاد الفلسطيني الصغير و المسيطر عليه إسرائيليا، بين الفوائد المتوقعة و الخسائر و التحديات الناجمة عن هذه الخطوة الاستراتيجية، يبدو أن الحلم مازال أمامه طريق طويل كي يصبح حقيقة. خلفية تاريحية : كانت الليرة العثمانية هي المتداولة في...

إعادة الجنيه الفلسطيني للحياة مرة اخرى , حلم راود الفلسطينيون طويلا و مازال ، بين إغراء المشاعر الوطنية و الرغبة في تعزيز مظاهر السيادة و بين واقع الاقتصاد الفلسطيني الصغير و المسيطر عليه إسرائيليا، بين الفوائد المتوقعة و الخسائر و التحديات الناجمة عن هذه الخطوة الاستراتيجية، يبدو أن الحلم مازال أمامه طريق طويل كي يصبح حقيقة.

خلفية تاريحية :

كانت الليرة العثمانية هي المتداولة في فلسطين أثناء الولاية العثمانية على فلسطين، مع بدء الانتداب البريطاني فرض العمل بالجنيهين الاسترليني و المصري الذي كان مربوطا به . في آواخر أربعينات القرن الماضي، رأت  حكومة الانتداب  البريطاني أن الوقت أصبح مناسبا لإصدار عملة فلسطينية . قوبل هذا الاقتراح برفض و تشكيك كبيرين من قبل الجمعيات الاهلية الفلسطينية كالجمعية الاسلامية المسيحية في حيفا و الغرف التجارية و القوى الوطنية، حيث طالبت بعدم إصدار نقد فلسطيني لعدم وجود حكومة فلسطينية مستقلة عن سيطرة المندوب السامي البريطاني، محذرة من أن إصدار نقد فلسطيني دون  وجود غطاء ذهبي كاف يحميه و يعزز ثقة المستثمرين به سيدفع إلى هروب الاستثمار و سيضر بالصادرات الفلسطينية و أهمها الزراعية في ذلك الوقت .  رغم ذلك أصر المندوب السامي على إصدار نقد فلسطيني مرتبط بالجنيه الاسترليني و شكل لهذا الغرض مجلس النقد الفلسطيني. كانت قيمة الجنيه الفلسطيني مساويه لقيمة الجنيه الاسترليني.   مع إحتلال إسرائيل لباقي الاراضي الفلسطينية في  1967 , أغلقت إسرائيل جميع البنوك الفلسطينية و العربية و فرضت عملتها " الليرة و الشيكل لاحقا، مما جعل من الاقتصاد الفلسطيني الذي دخل  في نفق التدهور حديقة خلفية للإقتصاد الاسرائيلي الذي  كان ينمو بنسب عالية جداً. مع توقيع منظمة التحرير الفلسطينية على إتفاق السلام مع الحكومة الاسرئيلية في العام 1993 . تم وضع ترتيبات جديدة في المجال النقدي و المالي .  

برتوكول باريس  الاقتصادي:

في حين نظم إتفاق إعلان  المبادئ المعروف بإتفاق " اسلو " الجوانب السياسية و الامنية بين منظمة التحرير الفلسطينية و إسرائيل، فإن برتوكول باريس الموقع في إبريل 1994 قد نظم الجوانب المالية و الاقتصادية  بينهما . نص برتوكول باريس على تشكيل سلطة نقد فلسطينية تعمل كمستشار مالي و إقتصادي للسلطة الفلسطينية دون أن تتمتع بصلاحيات البنك المركزي. ألزم برتوكول باريس الجانب الفلسطيني بالسماح للبنوك الإسرائيلية بالعمل في الاراضي الفلسطينية دون أن يعطي البنوك الفلسطينية الحق في المعاملة بالمثل . نص برتوكول باريس أيضا على إعتماد الشيكل الاسرائيلي كأحد العملات الرئيسية , إضافة للدولار الأمريكي و الدينار الأردني في السوق الفلسطيني . مما مكن الحكومة الاسرائيلية من مواصلة تحكمها بالاقتصاد الفلسطيني وقتما وحيثما تريد و حصد مكاسب مالية أخرى , على سبيل المثال: تستفيد إسرائيل كثيرا من كون الاقتصاد الفلسطيني  يعتمد الشيكل الاسرائيلي كاحد العملات الرئيسية. يبقى السوق الفلسطيني الثاني بعد الاقتصاد الاسرائيلي من حيث التعامل مع عملة الشيكل، يستحوذ السوق الفلسطيني على 10% من حجم الاصدار الكلي للشيكل الاسرائيلي . حيث لا يوجد طلب ملحوظ على الشيكل الاسرائيلي في السوق الدولي على الرغم من دخوله نادي العملات الستة عشر الرئيسية في العام الماضي . كذلك يجني الاقتصاد الاسرائيلي ما قيمته 300 مليون دولار سنويا كأرباح إصدار للشيكل الموجود في السوق الفلسطيني . إضافة لذلك يشكل الدعم الدولي للفلسطينيين الذي يأتي على شكل عملات صعبة من أهمها الدولار و اليورو أحد أهم مصادر هذه العملات للإقتصاد الاسرائيلي،  حيث تقوم السلطة الفلسطينية بتحويل العملات الصعبة للبنوك الاسرائيلية في مقابل الحصول على الشيكل لتغطية مصروفاتها و مرتبات موظفيها . على سبيل المثال , تشتري السلطة الفلسطينية ورقة مالية من فئة مئتي شيكل بقيمتها السوقية وهي 45 دولار في حين أن تكلفة طباعتها لا تزيد عن 20 سنتا . في المقابل فإن حرمان الفلسطينيين من إصدار عملتهم الوطنية يسبب خسائر كبيرة ناتجة عن  تكلفة التحويل من عملة لأخرى و حرمهانهم من أرباح الاصدار التي تتحقق في حال وجود عملة وطنية , كذلك تعريض الاقتصاد الفلسطيني من وقت لآخر لتقلبات الاقتصاد الاسرائيلي . إن خضوع السياسة المالية الفلسطينية لنظيرتها الاسرائيلية قد أعطى إسرائيل إمكانية للتحكم في الاقتصاد الفلسطيني , حيث تمتنع إسرائيل من وقت لآخر عن تحويل كميات كافية من الشيكل للبنوك  الفلسطينية بما يسبب عسرا شديدا في حجم السيولة المتاحة فلسطينيا . كذلك تمتنع إسرائيل أحيانا عن إستبدال الشيكل المهترئ المتراكم لدى البنوك الفلسطينية مما يكبدها خسائر كبيرة بسبب تكلفة الفرصة البديلة الناتجة عم عدم تدويرها . الوضع في قطاع غزة يعطي مثالا واضحا على ذلك , فمنذ  فرض الحصار في يونيو 2007 بعد سيطرة حركة حماس و إعتبار إسرائيل لقطاع غزة  على أنه " منطقة معادية"  إمتنعت المصارف الاسرائيلية عن التعامل المباشر مع بنوك غزة , مما سبب شحا مزمنا في  كمية الشيكل المتاحة في سوق غزة , سبب في خلق فرق ملحوظ في أسعار صرف العملة بين سوق غزة و أسواق الضفة الغربية و إسرائيل . نتج عن ذلك خلق سوق سوداء موازية مستفيدة  من  فروقات الصرف .

العملة الفلسطينية بين الرغبة و القدرة :

نص برتوكول باريس أن من حق سلطة النقد الفلسطينية التحول إلى بنك مركزي و إصدار نقد فلسطيني بشرط الموافقة الاسرائيلية . التحول إلى بنك مركزي لا يعني بالضرورة إصدار عملة وطنية ! فلكل منهما حساباته و معاييره . ليس من السهل أن تتخلى إسرائيل عن المزايا المتحققة لها نتيجة عدم وجود عملة فلسطينية , في المقابل ليس من العقلانية الاقدام على إصدار عملة وطنية دون إمتلاك القدرة على حمايتها و منع تزييفها و تهريبها ،  و دون إمتلاك غطاء نقدي من العملات و المعادن الصعبة بما يضمن لها الثقة و الاستقرار . إصدار عملة وطنية يحقق الكثير من الفوائد أهمها إمتلاك القدرة على  تطبيق السياسات المالية و النقدية  الخادمة للخطط التنموية للدولة . السعي إلى إصدار عملة وطنية ليس ترفا بل مؤشرا على  السيادة, لكن يجب أن  يتم ضمن رؤيا إقتصادية عقلانية نابعة من المصلحة  السياسية و التنموية إضافة للمعاني الوطنية . السؤال : هل يمتلك الفلسطينيون الجاهزية لإصدار عملة وطنية ؟  إن سلطة النقد الفلسطينية قد قطعت شوطا مرموقا في  تنظيم السوق المالي و النقدي في فلسطين  بإنتظار الجاهزية السياسية . هل من المصلحة إصدار عملة وطنية في ظل سلطة منقوصة السيادة بسبب الاحتلال و قيوده على  المعابر و التصدير و المتاجرة مع العالم الخارجي، و في ظل التشرذم الفلسطيني و تحت وطأة الازمة المالية الخانقة التي تعانيها السلطة الفلسطينية و الاعتماد الكبير على أموال المانحين وهي أموال غير مضمونة و غير مستدامة !  في الدول المستقلة كليا , يتوجب إستقلال عمل  البنك المركزي و المؤسسات المالية الرديفة عن تدخل و تأثير الحكومة الوطنية،  مما يجعل من الحالة الفلسطينية أكثر تعقيدا ، حيث تسيطر حكومة أخرى غير وطنية و المقصود هنا الحكومة الاسرائيلية على الاقتصاد الفلسطيني و القطاع المالي و المصرفي .  يبدو أن بعض الاسباب التي عارضت إصدار  الجنيه الفلسطيني أثناء الانتداب البريطاني مازالت سارية المفعول ، إختلفت الازمان و الاسباب واحدة . إن إصدار عملة فلسطينية حلم و رغبة فلسطينية معتقلة  بقوانين الاحتلال الاسرئيلي و محبطة بالانقسام الفلسطيني الداخلي .

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : underground economy, palestinian, currency, banking

عمر شعبان هو مؤسّس ومدير "مؤسسة بال ثينك للدراسات الاستراتيجية". إنه باحث مستقل ومحلل مختص بالشؤون الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، ويكتب عن التطورات في فلسطين والعالم العربي. يشارك عمر أحيانًا في مؤتمرات حول الشؤون السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط والتعاون الأورومتوسطي. ويحمل شهادة ماجستير في ريادة الأعمال من جامعة ستيرلنغ في اسكتلندا.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept