نبض فلسطين

الفلسطينيّون ليسوا جاهزين لإعلان صفقة القرن

p
بقلم
بإختصار
ينشغل الفلسطينيّون باقتراب إعلان صفقة القرن، سواء السلطة في الضفّة أم "حماس" في غزّة، لأنّهم يشعرون بتأثيراتها عليهم، الأمر الذي قد يزيد من تحضيراتهم لهذا الإعلان المتوقّع ويتطلّب معرفة ردود فعلهم عليها، وماذا لو وافقت إسرائيل عليها أو رفضتها، وما المواقف الفلسطينيّة المتوقّعة، خصوصاً إن طالبت بانسحاب إسرائيليّ من الأراضي الفلسطينيّة. السطور الآتية تركّز على استعدادات الفلسطينيّين لإعلان الصفقة، وتوقّعاتهم منها، بعيداً عن الرفض الكامل، بل الدخول في تفاصيل الموقف الميدانيّ للسلطة و"حماس" من أجزاء محدّدة منها.

يتابع الفلسطينيّون التحرّكات الأميركيّة لإعلان صفقة القرن قبل الانتخابات الإسرائيليّة المقرّرة في آذار/مارس، وسط إعلان المواقف الفلسطينيّة ذاتها من الرفض التقليديّ، من دون الدخول في تفاصيل الصفقة.

آخر التحرّكات الأميركيّة التي يتابعها الفلسطينيّون، ما ذكرته يوم 23 يناير القناة الإسرائيلية 13 أن واشنطن ستنشر إعلانا حول الصفقة، وأنها دعت رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ومنافسه بيني غانتس زعيم حزب أزرق-أبيض، لزيارتها في 28 يناير لاطلاعهما على تفاصيل الصفقة

وفي وقت لاحق من 23 يناير، أعلن الرئيس الامريكي دونالد ترامب عبر تويتر، أن التقارير التي تتحدث عن تفاصيل أو توقيت نشر الصفقة محض تكهنات.

وفي 22 كانون الثاني/يناير كان يفترض أن تتم الزيارة المعدّة لإسرائيل لكبير مستشاري البيت الأبيض وصهر الرئيس دونالد ترامب جاريد كوشنر ومبعوث السلام للشرق الأوسط آفي بيركوفيتش، لكنّها ألغيت في اللحظات الأخيرة بسبب الظروف الجويّة.

وشمل جدول الزيارة الملغاة إجراء مباحثات مع رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو وزعيم حزب أزرق أبيض المعارض بيني غانتس حول إعلان الصفقة، مع أنّ آفي بيركوفيتش كان زار إسرائيل في 7 كانون الثاني/يناير، والتقى بالإثنين.

لقد بقي الفلسطينيّون على مواقفهم المعلنة برفض الصفقة، آخرها ما جاء على لسان نائب الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس في رئاسة "فتح" محمود العالول، الذي قال في 15 كانون الثاني/يناير خلال لقائه مع صحافيّين دوليّين في مكتبه برام الله: إنّنا حتّى الآن لا نعرف ما هي الصفقة، لكنّنا نعرف ما هو غير موجود فيها: لا القدس، ولا حقّ العودة للاّجئين، ولا إقامة دولة فلسطينيّة. ولذلك، سنرفض الصفقة تماماً.

بالتزامن مع زيارة نتنياهو وغانتس إلى واشنطن، نقلت وكالة أنباء الأناضول التركية يوم 27 يناير عن مسؤول فلسطيني رفض كشف هويته، رفض الرئيس محمود عباس، تلقي مكالمة هاتفية، من ترامب، خلال الأيام الماضية، حيث شهدت الأيام السابقة محاولات من ترامب لإجراء محادثة هاتفية مع عباس، لكن الأخير رفض ذلك، دون ذكر مزيد من التفاصيل، دون خروج تأكيد أو نفي أمريكي حتى اللحظة لهذا التطور اللافت.

وكان محمود عبّاس ذاته، جدّد في 19 كانون الأوّل/ديسمبر، بكلمته خلال اجتماع المجلس الثوريّ لـ"فتح" برام الله، رفضه للصفقة، كاشفاً أنّ كثيرين ضغطوا عليه من أجل قبولها، لكنّه قال لا منذ اليوم الأوّل للحديث عنها، وإنّه يعرف ثمن رفضه لها.

أمّا "حماس"، فتوعدت يوم 23 يناير على لسان المتحدث باسمها حازم قاسم في بيان صحفي بإفشال الصفقة، واعتبر أن التسريبات المتلاحقة حول قرب إعلانها هو إصرار أمريكي على المشاركة بالعدوان على الفلسطينيين.

وخلال لقاء صحافيّ بـ16 كانون الثاني/يناير، كشف نائب زعيم حماس في غزّة خليل الحيّة أنّ الجولة الخارجيّة التي يقوم بها رئيس مكتبها السياسيّ إسماعيل هنيّة تسعى إلى توعية الزعماء الذين يلتقيهم على المخاطر المحدقة بالقضيّة الفلسطينيّة من صفقة القرن التي تحاول الإدارة الأميركيّة فرضها.

وأعلن عضو مكتب "حماس" السياسيّ فتحي حماد، في 3 كانون الثاني/يناير، خلال مشاركته بمسيرة شعبيّة بمدينة غزّة، أنّ الجماهير الفلسطينيّة ستسقط الصفقة.

من الواضح أنّ المواقف الفلسطينيّة مقتصرة على التصريحات السياسيّة الرافضة للصفقة، حتّى قبل الإعلان عنها، الأمر الذي قد يقطع الطريق على أيّ قبول بها في حال إعلانها مستقبلاً، ويزيد من القطيعة مع واشنطن.

وقال وزير الصحّة الفلسطينيّ السابق ورئيس مجلس العلاقات الدوليّة في قطاع غزّة الدكتور باسم نعيم لـ"المونيتور": "إنّ ردود الفلسطينيّين على اقتراب إعلان الصفقة لا ترقى إلى الجديّة اللاّزمة، فهم منشغلون في خلافاتهم الداخليّة، والنقاش الجاري حول الصفقة ليس فلسطينيّاً - إسرائيليّاً أو فلسطينيّاً - أميركيّاً، بل إنّه إسرائيليّ - أميركيّ، والفلسطينيّون هم الحاضر الغائب. لا يستطيع الفلسطينيّون القبول بصفقة لا تمنحهم مقوّمات كيانيّة مستقلّة، حتّى لو حصلت انسحابات إسرائيليّة معيّنة من أجزاء في الضفّة الغربيّة، فسنكون أمام جنين مشوّه ومولود غير قابل للحياة، الأمر الذي يتطلّب ثورة شعبيّة تجعل تنفيذ الصفقة مستحيلاً".

لعلّ من مبرّرات رفض الفلسطينيّين للصفقة أنّها ستخلق كانتونات معزولة في الضفّة الغربيّة. وبدل الاستباحة الإسرائيليّة الكاملة باحتلال مباشر، فإنّ الصفقة ستبقي الوضع القائم في الضفّة عبارة عن مناطق معزولة تحت السيطرة الأمنيّة والعسكريّة الإسرائيليّة، وسيطرة الإدارة المدنيّة الفلسطينيّة، وشطب الوجود الفلسطينيّ في القدس، وإبقاء غزّة محاصرة ومعزولة.

وقال عضو اللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة واصل أبو يوسف لـ"المونيتور": "إنّ الصفقة بدأت تطبّق قبل إعلانها قريباً، بالاعتراف الأميركيّ بالقدس عاصمة لإسرائيل في كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2017، ونقل السفارة الأميركيّة إليها في أيّار/مايو من عام 2018، واعتبار المستوطنات الإسرائيليّة شرعيّة بتشرين الثاني/نوفمبر من عام 2019، الأمر الذي يبرّر رفض الصفقة من دون معرفة تفاصيلها، لأنّ حدّها الأقصى منحنا حكماً ذاتيّاً محدوداً، وليس دولة مستقلّة. إنّ موقفنا الرئيسيّ هو رفض الصفقة، وندرك تبعات رفضنا، حتّى لو تحدّثت عن انسحابات شكليّة من مناطق فلسطينيّة، لكنّها ستسفر عن دولة فلسطينيّة ناقصة السيادة، وبقاء الاحتلال الإسرائيليّ في أنحاء الضفّة بمعظمها".

يعتقد الفلسطينيّون أنّ الإعلان الأميركيّ القريب من الصفقة قبيل الانتخابات الإسرائيليّة، جزء من الدعم الأميركيّ اللاّمحدود لليمين الإسرائيليّ بزعامة بنيامين نتنياهو، في ضوء تحالفهما الاستراتيجيّ، وسط تقديرهم أنّ الصفقة تدعم نوايا إسرائيل بضمّ مستوطنات الضفّة الغربيّة وغور الأردن، وتصنيف الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة كأراضي دولة انتقاليّة أو "فلسطين الجديدة"، وإعطاء الفلسطينيّين صلاحيّات إداريّة محدودة نسبيّاً.

وقال عضو مكتب العلاقات الوطنيّة في "حماس" محمود مرداوي لـ"المونيتور" كلاماً لافتاً وجديّاً بقوله: "إذا أرادت إسرائيل، بموجب الصفقة، الانسحاب من جانب واحد من بعض مناطق الضفّة الغربيّة، من دون أن يترتّب على الفلسطينيّين توقيع أو التزام، فإنّ المقاومة ستستفيد من ذلك، من دون أن تكون شريكة في أيّ إجراء إسرائيليّ أو تسهيله. لا يعقل أن تنسحب إسرائيل من أيّ منطقة، ويتمّ اعتراضها. طالما أنّ الفلسطينيّين لم يوقّعوا على الصفقة، ولم يلتزموا بأيّ تعهّدات للأميركيّين والإسرائيليّين، فبإمكانهم أن يستفيدوا ممّا قد تسفر عنه من وقائع على الأرض".

من جهته، قال الباحث في "مركز رؤية للتنمية السياسيّة" عماد أبو عوّاد لـ"المونيتور": "إنّ إعلان الصفقة يجعل الفلسطينيّين في مأزق كبير، السلطة وحماس، فالأولى لن تستطيع اتّخاذ مواقف جديّة ضدّ الصفقة، باستثناء الشجب والاستنكار، الأمر الذي قد يظهر تيّاراً داخل فتح يتمرّد على القيادة الرسميّة ويطالبها بمواقف جديّة. أمّا حماس فهي في موقف لا تحسد عليه، إذ أنّ حضورها التنظيميّ ليس كبيراً في الضفّة. وفي غزّة، لا تستطيع اتّخاذ مواقف من الصفقة، ولن تعطّل تفاهماتها مع إسرائيل لتحسين أوضاع غزّة. مواقف الفلسطينيّين لن تؤثّر عمليّاً على الصفقة، خصوصاً مع توتر علاقات حماس والسلطة، فسيعمل كلّ منهما منفرداً للردّ على الصفقة".

منذ بدء عهد دونالد ترامب أوائل عام 2017، ومعالم صفقته تسير على الأرض على قدم وساق، من دون ردود فعل فلسطينيّة جديّة عليها، باستثناء بيانات الشجب والإدانة، وفعاليّات شعبيّة خجولة، الأمر الذي ينبئ بعدم حدوث تحوّلات نوعيّة بمواقف الفلسطينيّين إن تمّ الإعلان رسميّاً عن الصفقة في قادم الأيّام، الأمر الذي سيعبّد الطريق لتطبيقها ميدانيّاً، سواء باتفاق أميركيّ - إسرائيليّ وسط غياب فلسطينيّ، أو فرضها بحكم الأمر الواقع، كما حصل في قرارات أميركيّة تخصّ القدس والمستوطنات وقطع تمويل وكالة الأمم المتّحدة لإغاثة وتشغيل اللاّجئين الفلسطينيّين في الشرق الأدنى - الأونروا. 

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept