مع من سيتفاوض الأكراد في سوريا؟

يحتار الشارع الكوردي في أمر أحزابه الكوردية. ففي الوقت الذي تتعالى أصوات الناس والنُخب السياسية والشعبية والثقافية، بضرورة الاتفاق على مشروع سياسي موحد لإدارة المنطقة الكوردية، فإن القلق والحيرة تزداد مع تشعب الخلاف بين المجلس الكوردي والإتحاد الديمقراطي حول الجهة التي سيتجه الكورد صوبهم للإتافق معهم ما بين النظام السوري وروسيا، أو أمريكا. خاصة وأن دعوة الحوار التي أطلقتها "قسد" للتوسط بين الطرفين الكورديين، تلازم معها في نفس الوقت، فتح الإدارة الذاتية قنواتً للحوار مع الدولة السورية، فيتساءل الشارع الكوردي: هل يعني ذلك إنهاء تلك المبادرة.

al-monitor .

ديس 9, 2019

شجّعت روسيا مرّات عدّة، على فتح قنوات للحوار بين النظام السوريّ وقوّات سوريا الديمقراطيّة، وانضمام "قسد" إلى صفوف قوّات النظام السوريّ. كما أعلن مظلوم كوباني في 28 تشرين الأوّل/أكتوبر أنّ "قسد" مستعدّة للتقريب بين الأطراف الوطنيّة الكرديّة في كردستان سوريا، وصرّح إلى وسائل إعلام كرديّة، بأنّهم أجروا لقاءات مع القوى السياسيّة الكرديّة كافّة في كردستان سوريا بغية تشكيل إطار كرديّ موحّد، نافياً الحاجة إلى اتّفاق عسكريّ مع أيّ طرف كرديّ سوريّ، وبأنّهم يقاتلون منذ 8 سنوات في قوّات سوريا الديمقراطيّة وقدّموا الشهداء، ويمثّلون الجميع، ولا مانع لديهم من عودة أيّ قوّة كرديّة (في إشارة إلى قوّات بيشمركة روج آفا) والقتال تحت راية قوّات سوريا الديمقراطيّة.

وفي بدايات تشرين الثاني/نوفمبر 2019، حدّد القائد العامّ لقوّات سوريا الديمقراطيّة "قسد" مظلوم عبدي المعروف أيضاً بمظلوم كوباني شرطين لإبرام اتّفاق مع النظام السوريّ هما أن "تكون الإدارة القائمة حاليّاً جزءاً من إدارة سوريا عامّة، ضمن الدستور"، وأن "تكون لـ"قسد" كمؤسّسة، استقلاليّة".

التقى "المونيتور" عضو هيئة الأعيان لشمال سوريا وشرقها والرئيس المشترك السابق للمجلس التشريعيّ في مقاطعة الجزيرة الأستاذ حكم خلو الذي يرى أنّ المجلس الكرديّ يتحمّل سبب إفشال كلّ المحاولات الساعية إلى وحدة الصفّ الكرديّ، ويقول: "في كلّ مرّة حاولت الأحزاب الكرديّة الاجتماع والاتّفاق على رؤية موحّدة، بما فيها دعوة مظلوم كوباني، فإنّ المجلس الكرديّ يتّخذ موقفاً سلبيّاً ويخلق الذرائع للهروب من الاستحقاقات، لأنّ إرادته مرتهنة إلى الجانب التركيّ راعي الاتلاف الذي هو جزء منه". ويرى خلو أنّ النظام السوريّ هو الجهة الرسميّة والشرعيّة في سوريا. ويقول: "النظام السوريّ يملك الشرعيّة، وهو طرف أساسيّ في الأزمة، لذا لا بدّ من الحوار معه في الوقت الذي لم تطمئن المعارضة السوريّة جزءاً كبيراً من الشعب السوريّ، وخصوصاً المكوّنات غير العربيّة، ولم تقدّم المعارضة مشروعاً وطنيّاً سوريّاً وجامعاً، إنّما طغت على خطابها الطائفيّة والإسلام المتشدّد والتعصّب القوميّ".

وبحسب خلو، فإنّه في كلّ الاتّفاقيّات السابقة بين الأكراد والسوريّين، كانت الأهداف مشتركة في الخطوط العريضة، وهي "الاعتراف الدستوريّ بحقوقهم وببقيّة المكوّنات في سوريا في ظلّ لامركزيّة فدراليّة". ويحدّد المشكلة على أنّها في "التحالفات والجهات المشغّلة، وكون المجلس الوطنيّ الكرديّ جزءاً من الائتلاف، وتركيا راعٍ للائتلاف وهي تعارض أيّ مكسب للأكراد، وإرادة المجلس مرهونة للإرادة التركيّة".

ووفق ما يقوله خلو، فإنّ الحلّ الأساسيّ للأزمة السوريّة إنّما هو "تغيير الدستور وفق الحقائق التاريخيّة والوقائع على الأرض، بما يضمن سوريا لامركزيّة فدراليّة-إدارات ذاتيّة، ودولة تعدّديّة علمانيّة".

بينما يرى بعض الصحافيّين والكتّاب أمراً آخر، حيث يقول باز بكاري من باريس عبر الهاتف لـ"المونيتور": "هناك شيء غير مكتمل، فلم نشهد حتّى الآن خطّة عمل واضحة للعمل عليها من أجل إيجاد تقارب بين الأطراف السياسيّة الكرديّة، وأبرزها المجلس الوطنيّ الكرديّ وحركة المجتمع الديمقراطيّ، فما تمّ حتّى الآن عبارة عن طرح مبادرة وإبداء الإيجابيّة حيالها من الأطراف السياسيّة". ويرى باز أنّ طبيعة الخلاف بين الطرفين الكرديّين يعود إلى خلافات سياسيّة منذ بداية الأزمة السوريّة والحلول تحتاج إلى خطط واضحة، ويقول: "لا يمكن رأب الصدع الموجود في خطابات للاستهلاك الإعلاميّ من جميع الأطراف وفي مقدّمتها "قسد"، إن لم يكن هناك خطّة عمل واضحة تؤسّس لحوار مثمر، فسنبقى في حلقة مفرغة ستؤدّي إلى لا شيء". ولا يقتنع باز بالفصل بين الاتّحاد الديمقراطيّ وقوّات سوريا الديمقراطيّة، ويقول: "العلاقة بينهما واضحة وقريبة أكثر من أيّ طرف آخر، والاثنان يتحرّكان الآن وبتنسيق لصيق بينهما على صعد عدّة من دون العودة إلى باقي الأطراف". ويرى باز أنّ قضيّة الحوار يجب أن تكون على أسس بيّنة وأرضيّة صلبة واضحة. ويضيف: ""قسد" تفاوض الدولة السوريّة وروسيا و"مسد" (مجلس سوريا الديمقراطيّة) يتحرّك في واشنطن. وفي حال الوصول إلى اتّفاق مع أيّ طرف من دون العودة إلى باقي الأطراف الكرديّة في سوريا، سيكون اتّفاقها منقوصاً وفي تقديري، إن كانت هناك نيّة حقيقيّة لدى "قسد" لتوحيد الخطاب الكرديّ، يستلزم الأمر تحديد خارطة طريق واضحة المعالم والوقوف عند كلّ نقاط الخلاف، سواء على الصعيد السياسيّ أم العسكريّ أم الإداريّ".

ويعلّق المسؤول الإداريّ للمكتب السياسيّ للحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ-سوريا، وعضو هيئة رئاسة المجلس الوطنيّ الكرديّ محمّد اسماعيل حول طرح "قسد" لعمليّة تقارب بين الأطراف الكرديّة في سوريا، ولجوء الإدارة الذاتيّة إلى التواصل مع النظام السوريّ، قائلاً لـ"المونيتور": "في الحقيقة، إنّ الإدارة الذاتيّة، والاتّحاد الديمقراطيّ، و"قسد" بمسمّياتها كافّة هي منظومة واحدة، ونتيجة للمأزق التي وقعت فيه وما تعاني منه بعد سقوط عفرين وسري كانيه وتلّ أبيض، تحاول التغطية على فشلها السياسيّ والإداريّ والعسكريّ عبر طرق جميع الأبواب بما فيها النظام و بعض الأطراف الدوليّة المتداخلة في الوضع السوريّ، وبعقليّة التفرّد هذه، ستفقد باقي المناطق أيضاً، ولكسب ودّ الجماهير الكرديّة وعطفها، تحاول خلق حالة تواصل واتّفاق مع المجلس الكرديّ للتغطية على فشلها. فلا يمكن التفاوض مع النظام، منفردة، وفي الوقت نفسه، يطلب توحيد موقف كرديّ مع المجلس الوطنيّ الكرديّ، هذا الموقف الذي يجب أن يكون واضحاً قبل الدخول في تفاوض مع النظام أو أيّ طرف آخر". وفي خصوص إمكان استمرار الإدارة الذاتيّة في طرح الفدراليّة في حواراتها مع النظام، يقول اسماعيل: "إنّ الإدارة الذاتيّة تلاعبت بالألفاظ كثيراً من فدراليّة، وأخوّة الشعوب، والأمّة الديمقراطيّة، وهي مستعدّة للتخلّي عن كلّ تلك الشعارات، وغير متشبّثة بالفدراليّة، في مقابل الحفاظ على بقائها، وهي عاجزة عن صياغة موقف قوميّ لائق للقضيّة الكرديّة أو شرح معاناة الشعب الكرديّ والظلم الذي لحق به، لأنّها تعتمد على الأنظمة الإقليميّة واللعب على التناقضات الدوليّة". وعن إمكان طرح المجلس الكرديّ لصيغة اللامركزيّة السياسيّة مع المعارضة السوريّة، يقول: "موقفنا واضح من اللامركزيّة السياسيّة عبر الوثيقة الموقّعة مع المعارضة السوريّة، والمجلس يصيغ رؤيته في شكل واضح حول شكل الدولة الاتّحاديّة سواء مع المعارضة أم المجتمع الدوليّ أم حتّى النظام السوريّ". ويحدّد اسماعيل جملة من الشروط للبدء بالحوار مع الاتّحاد الديمقراطيّ، ويقول: "طلبنا إجراءات بناء الثقة بين الطرفين، بسبب مواقفه من كلّ الاتّفاقيّات السابقة والمبادرة الفرنسيّة، وعليه إطلاق سراح المعتقلين، وكشف مصير المفقودين، وفتح المكاتب الحزبيّة، وإفساح المجال للأنشطة السياسيّة والإعلاميّة التي منعها، وهي مقدّمة للحوار، ووجود ضامن دوليّ مؤثّر، لأنّ الحوار الكرديّ لديه تكتيكيّ وليس حاسماً أو أساسيّاً، وهذا الاتّفاق يجب أن يكون شاملاً على الصعد السياسيّة والعسكريّة والإداريّة، وليس فقط اتّفاقاً سياسيّاً". ويرى اسماعيل أنّ الاتّحاد الديمقراطيّ "يتهرّب من كلّ ذلك، لأنّه لا يؤمن بالشراكة السياسيّة ولا العمل المشترك، بل فقط تنفيذ أجندات لجهات يتّفق معها من دون مسائل قوميّة للشعب الكرديّ، فكما تبيّن تعامله سابقاً مع النظام وروسيا والولايات المتّحدة الأميركيّة وتركيا وإيران، يقفز اليوم من طرف إلى طرف، و يرغب في أن يتحاو مع الجميع لتنفيذ الأجندات الخاصّة به، فلا رغبة لديه في بناء اتّفاق استراتيجيّ لحقوق الشعب الكرديّ".

إلى ذلك، يستمرّ الشارع الكرديّ في انتظار أيّ توافق بين الأطراف الكرديّة، لعلّه يكون ضمانة للمستقبل الكرديّ في سوريا.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو