فلسطين وروسيا تبرمان أضخم رزمة اتّفاقات اقتصاديّة ومشاريع تنمويّة بينهما

وقّع ممثّلون عن فلسطين وروسيا خلال مؤتمر اللجنة الحكوميّة الفلسطينيّة-الروسيّة المشتركة الذي عقد في موسكو في 21 و22 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 على أضخم رزمة اتّفاقات ثنائيّة جديدة بين القطاعين العامّ والخاصّ في البلدين في مجالات شتّى، في الوقت الذي وصلت العلاقة بين السلطة الفلسطينيّة وأميركا إلى أسوأ أحوالها، وتبذل الحكومة الفلسطينيّة مساعٍ كبيرة للانفكاك الاقتصاديّ عن إسرائيل.

al-monitor .

ديس 8, 2019

 مدينة غزّة - تتّخذ العلاقات الروسيّة-الفلسطينيّة مساراً أكثر عمقاً وانفتاحاً لتطوير التعاون الثنائيّ في المجالات الاقتصاديّة والتجاريّة والتنمويّة كافّة، إذ وقّع البلدان خلال مؤتمر اللجنة الحكوميّة الفلسطينيّة-الروسيّة المشتركة السنوي الذي عقد في موسكو في 21 و22 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 على أضخم رزمة اتّفاقات ثنائيّة جديدة بين القطاعين العامّ والخاصّ في البلدين في مجالات شتّى، أبرزها الاقتصاد والتجارة، الصناعة، الزراعة، تكنولوجيا المعلومات، الطاقة، السياحة، التشغيل، جودة التعليم والاستثمار.

وحظي المؤتمر بحضور أكبر وفد فلسطينيّ يزور روسيا تضمّن ممثّلين عن 10 وزارات فلسطينيّة التقوا بممثّلين عن 10 وزارات روسيّة، فضلاً عن مشاركة نحو 25 رجل أعمال فلسطينيّ التقوا رجال أعمال روس لعقد الاتّفاقات التجاريّة الثنائيّة، بحسب ما أفاد به لـ"المونيتور" السفير الفلسطينيّ في موسكو عبد الحفيظ نوفل الذي حضر المؤتمر.

ويعتبر هذا المؤتمر السنويّ الرابع الذي تعقده اللجنة المشتركة بين البلدين التي تأسست في إبريل 2015 بموجب تفاهمات بين الحكومتين الفلسطينية والروسية بهدف تطوير التعاون الاقتصاديّ والتنمويّ في شكل مستمرّ بين البلدين في كافة المجالات، إذ تم عقد 3 مؤتمرات سابقة خلال الأعوام 2016 و2017 و2018، جرى خلالها الاعتراف المتبادل بين البلدين بشهادات المطابقة والاعتماد الخاصة بالمواصفات والمقاييس، والتوقيع على مذكرات تفاهم في المجال الجمركي، وفي مجال تطوير التعاون السياحي بين البلدين، والتوصل إلى تفاهمات حول توحيد المواقف السياسية في المؤسسات الدولية.

وقال وزير الاقتصاد الوطنيّ الفلسطينيّ خالد العسيلي الذي مثّل الجانب الفلسطينيّ في هذه الاتّفاقات في كلمة له خلال المؤتمر: "تواجه قيادتنا والحكومة الفلسطينيّة العديد من التحدّيات الماليّة والسياسيّة الناجمة عن الاحتلال الإسرائيليّ المدعوم من الإدارة الأميركيّة التي تحوّلت إلى شريك للاحتلال بكلّ ممارساته وسياساته غير القانونيّة، وكان آخرها الإعلان الأميركيّ عن قانونيّة المستوطنات الإسرائيليّة في الضفّة الغربيّة".

وقال السفير نوفل لـ"المونيتور" إنّ هذه الاتّفاقات تأتي ضمن خطّة الحكومة الفلسطينيّة التي أقرّتها في شباط/فبراير 2018 للانفكاك الاقتصاديّ عن إسرائيل، وبدأت بوقف استيراد 9 سلع إسرائيليّة في شكل نهائيّ في 20 أيلول/سبتمبر 2019.

وأوضح أنّ فلسطين ستبدأ بموجب الاتّفاقات استيراد سلع جديدة من روسيا، مثل المركبات والمواد الخام واللحوم الحيّة التي توقّفت السلطة عن استيرادها من إسرائيل في 8 أيلول/سبتمبر الماضي.

وأضاف نوفل: "كما سيتمّ فتح أسواق الاتّحاد الاقتصادي الأوراسيّ الذي يضمّ روسيا وبيلّاروسيا وكازاخستان وأرمينيا وقرغيزستان، بدءاً من شباط/فبراير المقبل، أمام البضائع الفلسطينيّة، وأبرزها الرخام والتمور والمزروعات الحقليّة مثل الفراولة، مع إعفاء كامل من الرسوم الجمركيّة".

وبحسب نوفل، فإنّ حجم التبادل التجاريّ الفلسطينيّ-الروسيّ لا يزال متواضعاً جدّاً، إذ بلغ 70 مليون دولار خلال عام 2018، ولكنّه توقّع تضاعف هذا الرقم بعد هذه الاتّفاقات.

وأظهر مسح أجراه موقع الاقتصاديّ الفلسطينيّ استناداً إلى بيانات الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ ونشره في 16 تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي أنّ حجم التبادل التجاريّ الفلسطينيّ مع العالم خلال عام 2018 بلغ 7.695 مليار دولار، وأكثر من نصف هذا التبادل تمّ مع إسرائيل وحدها بقيمة 4.599 مليار دولار.

على المستوى التنمويّ، أشار نوفل إلى أنّ الاتّفاقات بين البلدين تضمّنت بدء روسيا باتّخاذ خطوات عمليّة لإنشاء مدن صناعيّة في الأراضي الفلسطينيّة، والاستثمار في مجال الطاقة البديلة واستكشاف النفط والغاز في فلسطين، وتقديم دعم روسيّ لإنشاء المركز المهنيّ متعدّد الأغراض في بلدة بيرزيت في شمال رام الله، لتعزيز التعليم المهنيّ في فلسطين.

على المستوى الثقافيّ والتعليميّ، اتّفق الطرفان على إبرام اتّفاقات توأمة بين المدارس الفلسطينيّة والروسيّة، فضلاً عن إعداد خطّة لإنشاء مدرسة روسيّة في كلّ مدينة فلسطينيّة لتعلّم اللغة الروسيّة، وزيادة أعداد الوفود السياحيّة الروسيّة إلى فلسطين، مع توفير منح دراسيّة للأدلّاء السياحيّين الفلسطينيّين لتعلّم اللغة الروسيّة، بحسب نوفل.

وأضاف: "كما اتّفق الطرفان على عقد أسبوع ثقافيّ فلسطينيّ في روسيا، يتبعه عقد أسبوع ثقافيّ روسيّ في فلسطين، على أن يتمّ هذا الإجراء في شكل سنويّ".

وتتزامن هذه الاتّفاقات غير المسبوقة بين روسيا وفلسطين، مع وصول العلاقة بين السلطة الفلسطينيّة والولايات المتّحدة الأميركيّة إلى مستويات غير مسبوقة أيضاً من التدهور، عقب سلسلة قرارات اتّخذتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدأت بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل في 6 كانون الأوّل/ديسمبر 2017، وكان آخرها إعلان الولايات المتّحدة الأميركيّة في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 عن تبديل موقفها من المستوطنات الإسرائيليّة في الضفّة الغربيّة، إذ لم تعد ترى وجودها مخالفاً للقانون الدوليّ.

وقال نوفل: "الفلسطينيّون يحاولون الحصول على دعم روسيّ تنمويّ في الأراضي الفلسطينيّة، لتعويض غياب الدعم الأميركيّ الذي كان يبلغ 350 مليون دولار سنويّاً، وقد توقّف هذا الدعم تماماً منذ تمّوز/يوليو 2018 بأمر من ترامب".

وأضاف: "نحن نرى روسيا حليفاً استراتيجيّاً على المستويين السياسيّ والاقتصاديّ، إذ إنّ الموقف السياسيّ الروسيّ داعم للشعب الفلسطينيّ ولخيار حلّ الدولتين ولمسعى إقامة الدولة الفلسطينيّة المستقلّة وعاصمتها القدس الشرقيّة، وهذا ما تخلّت عنه أميركا".

وكان الرئيس محمود عبّاس التقى الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين خلال زيارته إلى موسكو في 14 تمّوز/يوليو 2018 التي ناقشت تعزيز التعاون بين البلدين، فيما من المقرّر أن يزور بوتين الأراضي الفلسطينيّة للقاء عبّاس في بداية العام المقبل.

وقال رئيس اتّحاد جمعيّات رجال الأعمال الفلسطينيّين أسامة عمرو الذي شارك في هذا المؤتمر لـ"المونيتور": "إلى جانب الاتّفاقات التي وقّعتها الوزارات الفلسطينيّة والروسيّة، أبرم القطاعان الخاصّان في البلدين عشرات الاتّفاقات الثنائيّة لتبادل الخبرات في شتّى المجالات، أبرزها المصنوعات الجلديّة والمعدنيّة والخشبيّة والأدوية".

وأضاف: "إنّ المؤتمر يهدف في شكل رئيسيّ إلى استبدال المنتج الإسرائيليّ بالمنتج الروسيّ".

وقال أستاذ العلوم الاقتصاديّة في جامعة النجاح الوطنيّة في نابلس نائل موسى لـ"المونيتور": "السلطة الفلسطينيّة تسعى إلى توسيع تعاونها مع روسيا باعتبارها أحد أكبر الأسواق العالميّة، ولقدرة روسيا على الوقوف في وجه إسرائيل، في حال وضعت الأخيرة عراقيل أمام تنفيذ هذه الاتّفاقات في الأراضي الفلسطينيّة، نظراً إلى الدور الروسيّ الكبير الذي تلعبه في المنطقة العربيّة".

ووصف موسى محاولات السلطة الفلسطينيّة للانفكاك الاقتصاديّ عن إسرائيل، بأنّها "محاولات مشرقة"، وأضاف: "الانفتاح التجاريّ على العالم سيخلق سوقاً تنافسيّة أمام الفلسطينيّين، وهذا يمنحهم فرصاً أكبر لاختيار السلع الأقلّ ثمناً والأفضل جودة، وهذا أفضل كثيراً من أن تكون معظم وارداتنا من مصدر واحد هو إسرائيل".

أخيراً، يرى عمرو أنّ روسيا وحدها لن تكون كافية لسدّ الحاجات الفلسطينيّة من البضائع والخبرات الصناعيّة، في ظلّ الجهود الفلسطينيّة للانفكاك عن إسرائيل، الأمر الذي يتطلّب القيام باتّفاقات مماثلة مع أكبر قدر ممكن من الدول، لإنجاح هذا الانفكاك. 

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

مقالات مميزة

هل انتهى التحالف "السرياليّ" بين المدنيّين والصدر؟
عمر ستار | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | فبر 19, 2020
ضغوط سياسيّة تهدّد بالإطاحة برئيس الوزراء المكلّف قبل تشكيل حكومته
عمر ستار | الانتخابات العراقية | فبر 18, 2020
مظاهرات نسويّة حاشدة تغطّي شوارع بغداد باللونين الورديّ والبنفسجيّ
Lujain Elbaldawi | حقوق المرأة | فبر 14, 2020
ما أهميّة سراقب بالنّسبة إلى قوّات النظام وحلفائها؟
خالد الخطيب | | فبر 18, 2020
نزع سلاح "حماس" على رأس أهداف صفقة القرن
عدنان أبو عامر | غزّة | فبر 14, 2020

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض فلسطين

al-monitor
نزع سلاح "حماس" على رأس أهداف صفقة القرن
عدنان أبو عامر | غزّة | فبر 14, 2020
al-monitor
عبّاس يطرح على مجلس الأمن مبادرة مضادّة لصفقة القرن
أحمد ملحم | دونالد ترامب | فبر 14, 2020
al-monitor
جدار مصريّ جديد على الحدود مع غزّة لمنع تسلّل المتشدّدين
رشا أبو جلال | سيناء | فبر 14, 2020
al-monitor
الفلسطينيّة ناديا حبش حوّلت العمارة إلى نضال وطنيّ
عزيزة نوفل | التراث الثقافي | فبر 13, 2020