ليبراليّ أم محافظ؟ الغموض يلف الهويّة السياسيّة والفكريّة لقيس سعيد

p
بقلم
بإختصار
يخيّم الغموض على الهويّة السياسيّة والفكريّة للرئيس التونسيّ قيس سعيد، الذي حرص على تقديم نفسه خلال الانتخابات الرئاسيّة كمرشّح مستقلّ، لكنّ مواقفه التي أبداها من قضايا جدليّة داخل المجتمع كرفض المساواة في الميراث من جهة، مقابل دعمه الحريّات العامّة والخاصّة والتزامه بالحفاظ على حقوق المرأة وتعزيزها، زادت من حدّة التكهّن حول طبيعة انتماءاته.

تونس: تسلّم الرئيس التونسيّ المنتخب قيس سعيد مقاليد السلطة في تونس، بعد أدائه اليمين الدستوريّة أمام البرلمان في 23 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2019، متعهّداً بالحفاظ على مقوّمات الدولة وفرض القانون، وملتزماً بعدم المساس بمكسب الحريّات وبتعزيز حقوق المرأة خصوصاً.

ومنذ إعلان فوزه في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسيّة، التي جرت في 13 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2019 بأغلبيّة ساحقة قدّرت بـ72.71 بالمائة من الأصوات، فجّر قيس سعيد جدلاً واسعاً حول غموض انتمائه السياسيّ والفكريّ، وهو الذي لم ينخرط قطّ في أيّ نشاط حزبيّ أو سياسيّ سابق، ورشّح نفسه كشخصيّة مستقلّة.

وأظهر سعيد خلال حملته الانتخابيّة وبعدها أكثر من موقف حول قضايا جدليّة انقسم حولها المجتمع التونسيّ، لا سيّما المتعلّقة بحقوق المرأة ومساواتها مع الرجل. وأعلن رفضه التام للمبادرة التشريعيّة، التي قدّمها الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي حول المساواة في الميراث، مؤكّداً أنّ هذه القضيّة حسمها نص قرآنيّ لا يمكن تأويله.

وعلى الجانب الآخر، انفتح سعيد على قضايا اجتماعيّة تهمّ المرأة التونسيّة، وتعهّد خلال الخطاب الذي ألقاه أمام البرلمان بعد أدائه القسم الدستوريّ كرئيس للجمهوريّة في 23 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2019، بالحفاظ على مكتسباتها وحقوقها، بل تطويرها نحو إرساء عدالة اقتصاديّة بينها وبين الرجل وتحسين ظروف عملها.

وسبق أن أكّدت رئيسة الاتحاد الوطنيّ للمرأة التونسيّة، وهو منظّمة وطنيّة تعنى بالدفاع عن حقوق المرأة، راضية الجربي في تصريح لصحيفة "الشروق" التونسيّة بـ16 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2019، أنّ سعيد قد تعهّد لها خلال مكالمة هاتفيّة بأنّه سيعمل على تعزيز المكتسبات التي حقّقتها المرأة التونسيّة وتفعيل كلّ القوانين الضامنة لحقوقها الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

وفي هذا الإطار، أقرّت خلال حديث لـ"المونيتور" الناشطة النسويّة بشرى بلحاج حميدة رئيسة لجنة "الحريّات الفرديّة والمساواة"، وهي لجنة حقوقيّة أحدثها الباجي قائد السبسي في 13 آب/أغسطس من عام 2017 لإعداد تقارير عن الإصلاحات التشريعيّة المتعلّقة بالحريّات الفرديّة والمساواة، بصعوبة تحديد الهويّة السياسيّة والانتماء الفكري لسعيد.

ووصفته بأنّه "محافظ اجتماعيّاً في قضايا محدّدة كالمساواة في الميراث، ومنفتح وثوريّ سياسيّاً وثقافيّاً من خلال رغبته في خلق ثورة فكريّة هادئة يقودها الشباب ضدّ المنظومة المتكلّسة أو "السيستام" القديم.

ولفتت بشرى بلحاج حميدة إلى أنّ اهتمام سعيد بحقوق المرأة الاقتصاديّة وسعيه إلى خلق نوع من العدالة الاجتماعيّة مع الرجل قد يكونان مدخلاً لتطوير خطابه لاحقاً وتغيير موقفه من مشروع المساواة في الميراث الذي لا يزال مرميّاً في رفوف البرلمان التونسيّ.

ويجمع كثيرون على أنّ سعيد استطاع على خلاف الرؤساء السابقين للبلاد، أن يجمع من حوله أحزاباً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بمختلف توجّهاتها الفكريّة والإيديولوجيّة، إذ أعلنت كلّها عن دعمها له في الانتخابات الرئاسيّة ووجّهت قواعدها للتصويت له.

وكانت حركة النهضة الإسلاميّة من أوّل الداعمين لسعيد خلال الدور الثاني من الانتخابات الرئاسيّة، إذ وجّهت أنصارها للتصويت له، وأعلنت في بيان رسميّ بـ10 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2019 عن تأييدها له في مواجهة خصمه الليبراليّ رجل الأعمال نبيل القروي.

ودعا حزب الوطنيّين الديمقراطيّين الموحّد، اليساريّ، في بيان، بـ10 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2019، أنصاره للتصويت لصالح سعيد في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسيّة، معتبراً أنّ "الاختيار بين المرشّحين نبيل القروي الذي يمثّل المنظومة القديمة ولوبيّاتها الفاسدة وقيس سعيد الذي يتباين معه في جملة من القضايا والمواقف، هو ضرورة تمليها نتائج الدور الأوّل من الانتخابات الرئاسيّة".

بدوره، دعا حزب "التيّار الشعبيّ" الاشتراكيّ القوميّ إلى التصويت لسعيد، معتبراً في بيان رسميّ بـ11 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2019، أنّ "نزاهة المرشّح وانتماءه الاجتماعيّ والطبقيّ ومواقفه المعلنة تشكّل ضمانة مبدئيّة للتصويت له، رغم اتّسام برنامجه بالغموض والضبابيّة، إلى جانب اختراق محيطه من قوى يمينيّة شعبويّة متطرّفة".

من جهته، قال رضا شهاب مكّي لـ"المونيتور"، وهو صديق سعيد وأحد من قادوا حملته الانتخابيّة وناشط يساريّ سابق في حزب "الوطنيّين الديمقراطيّين الموحّد": إنّ رؤية سعيد للحكم لا تعترف بأيّ انتماء فكريّ، بل تؤمن بمبدأ تطبيق القانون وإرساء دولة قوامها العدل.

ولفت إلى أنّ القيادات الحزبيّة الليبراليّة أو المحافظة "هي مجرّد نخب في دكاكين صغيرة مغلقة، وبأنّ الشعب لا لون له".

وأقرّ مكّي بقدرة سعيد على تجميع التونسيّين من حوله بمختلف انتماءاتهم الفكريّة تحت راية واحدة، هي: "الشعب يريد"، التي اختارها كعنوان رئيسيّ لحملته الانتخابيّة، والتعامل معهم كمواطنين لا كأفراد.

في خضم هذه التخمينات حول الهوية السياسية والفكرية لرئيس تونس المنتخب، يؤكد الرجل في أكثر من تصريح إعلامي أنه رجل مستقل لا ينتمي لأي فصيل سياسي أو حزبي، وسبق أن نفى في 26 أيلول/ سبتمبر 2019 انتمائه للتيار الإسلامي.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

آمال الهلالي صحفية تونسية متخرجة من معهد الصحافة وعلوم الأخبار, عملت في عدة وسائل إعلام عربية ودولية أبرزها قناة الجزيرة وقناة العربية وقناة الحرة ومراسلة لمواقع إخبارية من تونس أهمها هافينغتون بوست عربي و العربية نت وإيلاف .

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept