نبض فلسطين

تشكيك بتهديد السلطة الفلسطينيّة بمنع اجتياحات إسرائيل للضفّة الغربيّة

p
بقلم
بإختصار
أعلن رئيس الوزراء الفلسطينيّ محمّد اشتيّه أنّ "الفلسطينيّين سيمنعون الجيش الإسرائيليّ من اقتحام مناطق "أ" في الضفّة الغربيّة، ليس بالعنف، وإنّما بأجسادنا"... ولعلّها المرّة الأولى التي يهدّد فيها مسؤول فلسطينيّ كبير بمنع دخول الجيش الإسرائيليّ إلى مناطقهم، من دون أن يوضح كيف، فما الوسيلة التي يراها محمّد اشتيّه مناسبة، وليست عنيفة، وهل هناك تنسيق سياسيّ داخل السلطة لهذا التصريح؟ ولماذا يجتاح الإسرائيليّون مناطق "أ"؟ وما ردود الفعل على إعلان اشتيّه؟ مع أنّ دخول الجيش الإسرائيليّ إلى مناطق الضفّة يتمّ بالتنسيق مع أمن السلطة الفلسطينيّة.

في سابقة سياسيّة، قال رئيس الوزراء الفلسطينيّ محمّد اشتيّه، في 12 تشرين الأوّل/أكتوبر، خلال حوار مع صحيفة "القدس" المحليّة: "إنّنا سنمنع جيش الاحتلال الإسرائيليّ من اقتحام مناطق أ في الضفّة الغربيّة، ليس بالعنف، وإنّما بأجسادنا، إسرائيل تجتاح مناطق السلطة، والاتفاقيّات الموقّعة لا تسمح بالاجتياحات، ونحن سنكسر هذا الأمر الواقع".

لعلّها المرّة الأولى التي يتعهّد فيها مسؤول فلسطينيّ كبير بمنع دخول الجيش الإسرائيليّ إلى مناطق "أ"، من دون أن يوضح كيف، لأنّ السلطة تلاحق الفصائل المسلّحة التي قد تمنع الاجتياح الإسرائيليّ للأراضي الفلسطينيّة، ولا تشجّع المقاومة الشعبيّة من الناحية العمليّة في الضفّة الغربيّة.

مع أنّ في فترات لاحقة، حين كانت الاتصالات السياسيّة قائمة بين السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل، لم يكن الجيش الإسرائيليّ يدخل بدوريّاته في مناطق "أ"، بل يرسل المعلومات اللاّزمة إلى الأمن الفلسطينيّ، وهو بدوره يقوم بالمهمّة في اعتقال المطلوبين من خلال التنسيق الأمني بينهما.

وقال مسؤول في مكتب اشتيّه، أخفى هويّته، لـ"المونيتور": "إنّ كلام رئيس الحكومة سياسة متّبعة فلسطينيّة، فإسرائيل تقوم باجتياحات متكرّرة للمحافظات الفلسطينيّة، ضاربة بعرض الحائط كلّ الاتفاقيّات، وشرحنا للمجتمع الدوليّ في مناسبات مختلفة تلك الاقتحامات، وطالبناه بالضغط على إسرائيل لوقفها".

لقد شهدت الضفّة منذ أوائل عام 2019 عودة إلى سياسة الاقتحامات التي تنفّذها إسرائيل لمناطق "أ"، لملاحقة الخلايا المسلّحة التي تخطّط لتنفيذ هجمات ضدّ الجيش والمستوطنين، وتتزامن مع تعهّد رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو في أيلول/سبتمبر بضمّ مناطق من الضفّة.

قسّم اتّفاق أوسلو مناطق الضفّة إلى 3 تصنيفات: مناطق "أ" التي تشمل المدن الفلسطينيّة وتسيطر عليها السلطة أمنيّاً وإداريّاً، ومساحتها 18 في المئة من الضفّة، ومناطق "ب" تسيطر عليها السلطة إداريّاً وإسرائيل أمنيّاً، ومساحتها 21 في المئة من الضفّة، وتسيطر إسرائيل على مناطق "ج" أمنيّاً وإداريّاً، ومساحتها 61 في المئة من الضفّة.

وقال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة "النّجاح" بنابلس عبد الستّار قاسم لـ"المونيتور": "إنّ كلام اشتيّه لا معنى له، فالسلطة لن تستطيع منع إسرائيل من اجتياح مناطقها، وكلامه يتعارض مع استمرار التنسيق الأمنيّ بين السلطة وإسرائيل. كما أنّ اشتيّه لا يسيطر على الأجهزة الأمنيّة كي تمنع نظيرتها الإسرائيليّة من اجتياح الضفّة، لأنّ مرجعيّتها رئيس السلطة أبو مازن وليس اشتيّه".

دأب الجيش الإسرائيليّ على نشر مقاطع فيديو تظهر فيها جنوده خلال عمليّات اقتحام لمناطق قلقيليّة وطولكرم وجنين ونابلس في الضفّة الغربيّة، وتصوّر عمليّات مداهمة واقتحام والقبض على فلسطينيّين، فيما اعتبرت الرئاسة الفلسطينيّة في كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2018 أنّ المناخ الذي خلقته سياسة الاقتحامات الإسرائيليّة المتكرّرة للمدن أدّى إلى "المسلسل المرفوض من العنف الذي ندينه ونرفضه ويدفع ثمنه الجانبان"، الفلسطينيّ والإسرائيليّ.

تعتمد اقتحامات الجيش الإسرائيليّ لمناطق "أ" والتنسيق مع الأمن الفلسطينيّ، بناء على كلّ حالة بمفردها، وطبيعة علاقات المسؤولين الأمنيّين من الجانبين، فكلّ مرحلة تختلف عن سواها، فحيناً يتمّ التنسيق المسبق قبل دخول هذه المناطق، بحيث يتمّ اختفاء الأمن الفلسطينيّ من المكان المطلوب. وأحياناً، يرسل الجيش الإسرائيليّ قوّات خاصّة إلى مناطق "أ" لا يتمّ إبلاغ الأمن الفلسطينيّ عنها كي لا يتمّ كشفها وتعريضها للخطر.

وقال رئيس "المركز الفلسطينيّ للبحوث والدراسات الاستراتيجيّة" في رام الله والمدير السابق لجهاز المخابرات العامّة بغزّة اللواء محمّد المصريّ لـ"المونيتور": "إنّ دعوة اشتيّه هي ردّ على الاستباحة الإسرائيليّة للضفّة، من دون تفريق بين تصنيفات أ، ب وج، وتهدف إلى كسر هيبة السلطة ورجال أمنها، وإفقاد الفلسطينيّ ثقته بهما، الأمر الذي يتطلّب من الفلسطينيّين التصدّي لهذه الإجراءات بإغلاق الطرق في وجه الدوريّات الإسرائيليّة، بعيداً عن استخدام السلاح".

يفيد شكل الاجتياحات الإسرائيليّة لمناطق "أ" في الضفّة الغربيّة وطبيعتها بأنّ الاقتحامات تمتدّ ساعات طويلة، بمشاركة أعداد كبيرة من الآليّات العسكريّة، وتبدأ في وضح النهار، وتستمرّ حتّى ساعات الليل المتأخّرة، واقتربت في بعض الأحيان من مقرّ رئيس السلطة ووكالة "وفا" الرسميّة للأنباء، ومجلس الوزراء الفلسطينيّ.

بدوره، قال الخبير الأمنيّ الفلسطينيّ والمتحدّث السابق باسم وزارة الداخليّة في غزّة إسلام شهوان لـ"المونيتور": "إنّ إسرائيل تصول وتجول في الضفّة بحريّة، ولا تعترف بتقسيماتها الجغرافيّة: أ، ب، وج، لأنّها لا تعنيها أمام تحقيق أهدافها الأمنيّة بملاحقة المسلّحين. في الضفّة حين تكون عمليّة إسرائيليّة بمناطق أ، يتمّ الاتصال بالأمن الفلسطينيّ لإخلاء قوّاته. وإنّ تكرار الاجتياحات الإسرائيليّة هو دليل على عدم اعتمادها على الأمن الفلسطينيّ لتوفير المعلومات المطلوبة، الأمر الذي يضطرّ الجيش إلى إرسال قوّاته بنفسه لمناطق أ". 

صحيح أنّ الأمن الفلسطينيّ لا يقيم حواجز أمنيّة لمنع المستوطنين والجنود الإسرائيليّين من الدخول إلى مناطق "أ"، ولا يسمح بإخراج الجماهير الفلسطينيّة للتصدّي للدوريّات الإسرائيليّة، لكنّ اشتباكاً مسلّحاً نشب في 11 حزيران/يونيو بمدينة نابلس بين الجيش الإسرائيليّ والأمن الوقائيّ التابع للسلطة الفلسطينيّة أصاب اثنين من عناصر الأمن الفلسطينيّ، عقب محاصرة الجيش مقرّ الأمن الوقائيّ جنوب نابلس، لتأمين خروج قوّة من المستعربين الإسرائيليّة وتخليصها، بعد أن لاحق أفراد الجهاز هذه القوة التي تسللت سراً لنابلس، مما استدعى الجيش الإسرائيلي لاقتحام المدينة لإنقاذ القوة الخاصة التي لم يعرف طبيعة مهمتها السرية داخل المدينة.

وقال خبير الشؤون الإسرائيليّة في مركز رؤية للتنمية السياسيّة عماد أبو عوّاد لـ"المونيتور": "إنّ إعلان اشتيّه موجّه إلى الفلسطينيّين الذين يدركون أنّ نهج السلطة وفتح فشل بالمراهنة على السلام، ولا أعتقد أنّ هناك تنسيقاً داخل السلطة حول تصريحه، فاشتيّه نفسه لا إجماع عليه داخل فتح، مع أنّ السلطة عمليّاً لا تستطيع منع إسرائيل من دخول الضفّة، لأنّها لا تمتلك أدوات لوقف الاقتحامات، وقد كبّلت قوى المقاومة التي تستطيع الوقوف في وجه الاقتحامات".

في كثير من الأحيان، لا تنسّق إسرائيل مسبقاً مع السلطة قبل اقتحام مناطق "أ"، بل تقوم بإبلاغها ليس أكثر لإخلاء مواقعها، لأنّها تريد من تكرار الاجتياحات يوميّاً إيصال رسالة إلى الفلسطينيّين بأنّها من تسيطر على الضفّة، ويعتقد الفلسطينيّون أنّ تخفيف السلطة إجراءاتها ضدّ الفصائل المسلّحة في الضفّة وسماحها للمقاومة الشعبيّة بالانطلاق فعليّاً، سيقلّل من هذه الاجتياحات

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept