نبض فلسطين

السلطة الفلسطينيّة تتراجع عن رفض استلام أموال المقاصّة من إسرائيل

p
بقلم
بإختصار
أعلنت السلطة الفلسطينيّة قبولها استلام أموال الضرائب التي تجمعها إسرائيل، بعد أزمة استمرّت 8 أشهر عقب رفضها استلام أموال الضرائب التي اقتطعت منها إسرائيل قيمة المخصّصات الماليّة التي تدفعها السلطة إلى الأسرى الفلسطينيّين في السجون الإسرائيليّة للسجناء وعائلات منفّذي الهجمات المسلّحة... السطور الآتية تناقش تراجع السلطة عن موقفها، وفي هذا الوقت بالذات، والمواقف الفلسطينيّة منها. وهل نحن أمام عودة تدريجيّة للعلاقات بين الجانبين، وعلاقة الموقف بالانتخابات الإسرائيليّة.

أعلن رئيس الحكومة الفلسطينيّة محمّد اشتيّة، في 7 تشرين الأوّل/أكتوبر، أنّ إسرائيل حوّلت إلى وزارة الماليّة الفلسطينيّة 1.5 مليار شيكل، 416 مليون دولار، من أموال الضرائب المحتجزة لديها المعروفة باسم "المقاصّة"، عقب اتفاق بين السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل كشفت عنه القناة الإسرائيليّة "13" في 4 تشرين الأوّل/أكتوبر، حيث وافقت السلطة على استلام أموال الضرائب التي تجمعها إسرائيل لصالحها بعد رفض دام 8 أشهر، وهذا المبلغ جزء من إجمالي قيمة أموال المقاصة التي احتجزتها إسرائيل منذ فبراير التي بلغت في المتوسط 1.440 مليار دولار، لأن قيمة أموال المقاصة الشهرية تصل 180 مليون دولار، وتشكل 60% من الموازنة العامة للسلطة.

وجاء الاتفاق عقب لقاء وزير الماليّة الإسرائيليّ موشيه كحلون بوزير الشؤون المدنيّة الفلسطينيّ حسين الشيخ، في 3 تشرين الأوّل/أكتوبر بمدينة القدس، حيث أجرى حسين الشيخ اتصالاً مع الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس خلال اللقاء، وأبلغه بتفاصيل الاتفاق، وحصل على موافقته.

يقضي الاتفاق بأن تستمرّ إسرائيل في اقتطاع جزء من أموال الضرائب المحوّلة إلى الأسرى الفلسطينيّين وعائلات الشهداء، فيما يعود الفلسطينيّون إلى استلام أموال الضرائب المقتطعة، من دون تأكيد السلطة استئناف دفع مستحقّات الأسرى وعائلات الشهداء، فالموضوع ما زال قيد خلاف مع الإسرائيليّين.

ويأتي التراجع الفلسطينيّ، رغم ما أعلنته السلطة الفلسطينيّة منذ 27 شباط/فبراير أنّها لن تستلم أموال المقاصّة إذا كانت ناقصة ملّيماً واحداً، بسبب اقتطاع إسرائيل قيمة المستحقّات الماليّة الشهريّة التي تدفعها السلطة إلى الأسرى وعائلات الشهداء البالغة 41.83 مليون شيكل، 11.5 مليون دولار، عقب إعلان إسرائيل في 17 شباط/فبراير اقتطاع 502 مليون شيكل، 138 مليون دولار سنويّاً من أموال المقاصّة.

وقال وزير العمل والتخطيط الفلسطينيّ السابق في رام الله وكبير باحثي "معهد أبحاث السياسات الاقتصاديّة الفلسطينيّ – ماس" سمير عبد الله لـ"المونيتور": "إنّ عدم استلام السلطة أموال المقاصّة المقتطعة لم يكن في محلّه، رغم أنّ هدفه السياسيّ هو استمرار منح المخصّصات للأسرى وعائلات الشهداء، لكنّنا في النهاية لم نستطع الاستمرار في هذه الأزمة الماليّة المتفاقمة شهراً بعد شهر. لقد حاولنا تدبير شؤوننا، فوصلت جهودنا إلى حائط مسدود، لأنّنا وحيدون في المعركة أمام إسرائيل المدعومة غربيّاً وأميركيّاً. ولذلك، غيّرنا موقفنا، وإلاّ كنّا في طريقنا للانتحار".

سبق لإسرائيل أن حوّلت، في 22 آب/أغسطس، إلى السلطة الفلسطينيّة إيرادات ضريبة البلو الخاصّة بالمحروقات، التي تجبيها إسرائيل وتحوّلها مع أموال المقاصّة، عن 7 أشهر ماضية، بقيمة ملياريّ شيكل (555 مليون دولار)، حيث يتم تحويلها شهريا مع أموال المقاصة.

حين رفضت السلطة استلام أموال المقاصة في فبراير، شمل ضريبة المحروقات، وقيمتها شهريا 200 مليون شيكل، (60 مليون دولار)، وأسفرت تسوية 22 أغسطس بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية عن تسلم الأخيرة ملياري شيكل، 555 مليون دولار، لتسديد 300 مليون شيكل، (100 مليون دولار)، كجزء من ديونها لشركة الكهرباء الإسرائيلية المقدرة ملياري شيكل، ودفع قسط من أجور موظفي القطاع العام الفلسطيني، البالغة قيمتها الشهرية 500 مليون شيكل شهرياً، قرابة 170 مليون دولار.

وقد جاء اتفاق الجانبين حول استعادة قيمة ضريبة البلو للمحروقات، إدراكا منهما أنّ الأمور قد تصل إلى حدّ انهيار السلطة الفلسطينية اقتصاديّاً، وأنّه سينعكس سلباً عليهما معاً، خصوصاً تضرّر التنسيق الأمنيّ بينهما.

وقال المتحدّث باسم "حماس" حازم قاسم لـ"المونيتور": "إنّ تراجع السلطة في موضوع استلام أموال المقاصّة المنقوصة يؤكّد افتقادها إلى إرادة المواجهة مع إسرائيل، وكان الأولى بالسلطة التوقف عن ملاحقة المقاومة، ووقف التنسيق الأمنيّ مع إسرائيل بدل التراجع عن قراراتها، ولكن يبدو أنّ المصالح الشخصيّة لبعض قيادات السلطة تمنعها من اتّخاذ أيّ قرار ضدّ سياسة الاحتلال".

بات واضحاً أنّ التراجع الفلسطينيّ عن الموقف المعلن في شباط/فبراير جاء إقراراً بصعوبة الظروف الاقتصاديّة من جهة، ومن جهة أخرى إصراراً إسرائيليّاً على عدم التراجع عن استقطاعات قيمة مستحقّات الأسرى وعائلات الشهداء، الأمر الذي أجبر السلطة على استلام الأموال منقوصة، وهو ما رفضته مراراً وتكراراً، والأخطر عدم إعلانها الاستمرار في دفع مستحقّات الأسرى وعائلات الشهداء، بل ترك الموضوع إلى اللجان الفنيّة بين الجانبين.

مع العلم أنّ الموقف الذي أعلنته السلطة الفلسطينيّة منذ البداية وقضى برفض استلام أموال المقاصّة لم يحظ بتوافق فلسطينيّ داخليّ، بل إنّ الفلسطينيّين اعتبروه كأحد أشكال "الحرد" وردّ الفعل غير المناسب والخاطئ، وسيساهم في مفاقمة الأزمة الماليّة وتجويع الفلسطينيّين وأخذهم إلى المجهول، وهو ما حصل فعلاً.

وقال رئيس "المركز الفلسطينيّ لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجيّة – مسارات" هاني المصريّ لـ"المونيتور": "إنّ موافقة السلطة على استلام أموال المقاصّة المقتطعة من دون تراجع إسرائيل عن خصم مخصّصات عائلات الشهداء والأسرى، هي تأكيد أنّ قرار عدم الاستلام منذ البداية لم يكن استراتيجيّاً تجاه إسرائيل، بل ردّة فعل، وللاستهلاك الشعبيّ وكسب الوقت. وبالتّالي، فإنّ هذه الحسابات الخاطئة للسلطة أدّت إلى تفاقم الأزمة الاقتصاديّة بمعدّلات كبيرة هدّدتها بالانهيار أو بانفجارات شعبيّة".

يعتبر توقيت تراجع السلطة عن قرارها باستلام أموال المقاصّة منقوصة لافتاً، لأنّه يكشف عن رهاناتها الخاطئة، فقد راهنت أوّلاً على أن تقنع الأجهزة الأمنيّة الإسرائيليّة حكومتها بإعادة الأموال كاملة إلى السلطة خشية انهيارها، لكنّ ذلك لم يحصل. وراهنت ثانياً على أن تسفر الانتخابات الإسرائيليّة في دورتيها أيلول/سبتمبر ونيسان/إبريل عن الإطاحة برئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وتأتي حكومة أخرى تتراجع عن قراره، وتعيد أموال المقاصّة غير منقوصة، فلم يتحقّق ما تمنّته. وراهنت ثالثاً على الحصول على شبكة الأمان الماليّة العربيّة، لكن من دون جدوى، فرغم المناشدات الفلسطينيّة المتلاحقة، خذل العرب أشقّاءهم الفلسطينيّين سواء أكان لانشغالهم في ملفّاتهم الداخليّة أم لخشيتهم من الغضب الأميركيّ إن دعموا السلطة.

وقال رئيس تحرير صحيفة "الاقتصاديّة" في غزّة محمّد أبو جياب لـ"المونيتور": "إنّ رفض السلطة استلام أموال المقاصّة في البداية لم يكن جديّاً، بدليل استمرار عقد اللقاءات الفلسطينيّة-الإسرائيليّة المشتركة لإنهاء أزمة أموال المقاصة، الأمر الذي يعني أنّنا كنّا أمام مراوغة إعلاميّة سياسيّة ليس أكثر. واليوم، ما دفع بالسلطة إلى القبول بما رفضته سابقاً هو الظرف الماليّ الذي بدأ يؤثّر على استقرارها وبدء ظهور ملامح التذمّر الشعبيّ والتنظيميّ داخل الضفّة الغربيّة، الأمر الذي يجعل من القبول باستلام الأموال المنقوصة حالة إنقاذ كبيرة لاستمرار السلطة في عملها ومنعها من الانهيار".

إنّ تراجع محمود عبّاس عن تعهّداته برفض استلام أموال المقاصّة المنقوصة، وآخرها في 9 أيلول/سبتمبر، هو تأكيد أنّنا أمام نهج متفرّد في اتّخاذ القرار، فالرئيس من يقرّر وحده من دون سواه، رغم تراجع التأييد الشعبيّ الفلسطينيّ لقراره من 62 في المئة إلى 54 في المئة وفق آخر استطلاع للرأي نشره "المركز الفلسطينيّ للبحوث السياسيّة والمسحيّة" في 22 أيلول/سبتمبر.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : financial crisis, israeli-palestinian relations, mohammad shtayyeh, mahmoud abbas, clearing funds, palestinian authority

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept