نبض فلسطين

الاستثمارات الفلسطينيّة تهرّب إلى الخارج مع غياب البيئة الآمنة

p
بقلم
بإختصار
كشفت معطيات فلسطينيّة ارتفاعاً في الاستثمارات الفلسطينيّة خارج فلسطين، قابلها ثبات في الاستثمارات الخارجيّة فيها، وتفاوت بين أرصدة استثمارات الاقتصاد الفلسطينيّ في الخارج وأرصدة الاستثمارات الأجنبيّة في الاقتصاد الفلسطينيّ بلغ قرابة ملياريّ دولار... السطور الآتية تناقش هذه الأرقام، وتتعرّف على الدول التي يستثمر فيها الفلسطينيّون وطبيعة استثماراتهم: تجاريّة، عقاريّة، وماليّة، والدول التي تستثمر في فلسطين، وتوزّع الاستثمارات بين الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، ونوعيّة الاستثمارات الخارجيّة في فلسطين.

أعلن "الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ" وسلطة النقد الفلسطينيّة في تقرير مشترك نشراه في 29 أيلول/سبتمبر، وجود ارتفاع في الاستثمارات الفلسطينيّة في الخارج، قابلها ثبات في الاستثمارات الخارجيّة في فلسطين.

وأشار التقرير أن "التفاوت بين أرصدة استثمارات الاقتصاد الفلسطيني الموظفة خارج فلسطين وأرصدة الاستثمارات الأجنبية الموظفة في الاقتصاد الفلسطيني (الأصول الخارجية – الالتزامات الأجنبية) بلغ 1,921 مليون دولار نهاية الربع الثاني 2019, بارتفاع بلغت نسبته 11% مقارنة مع الربع السابق، في حين بلغ إجمالي أرصدة أصول الاقتصاد الفلسطيني المستثمرة في الخارج 7,255 مليون دولار في نهاية الربع الثاني 2019".

تفسح هذه المعطيات المجال واسعاً لطرح تساؤلات عدّة حول أسباب ما يمكن وصفها بهروب الاستثمارات الفلسطينيّة إلى خارج الأراضي الفلسطينيّة، وهل يعني ذلك أنّ البيئة الفلسطينيّة أصبحت طاردة لهذه الاستثمارات، وليست جاذبة؟ فضلاً عن التعرّف على الدول التي يستثمر فيها الفلسطينيّون وطبيعة استثماراتهم فيها: تجاريّة أم عقاريّة أم ماليّة، ومن هي الدول التي تستثمر داخل فلسطين، ونصيب الضفّة وغزّة من هذه الاستثمارات.

في هذا السياق، قال مسؤول فلسطينيّ في وزارة الاقتصاد، أخفى هويّته، في حديث لـ"المونيتور": "إنّ زيادة الاستثمارات الفلسطينيّة في الخارج طبيعيّة، نظراً لعدم استقرار الأوضاع الفلسطينيّة: السياسية والأمنية، رغم ما نقدّمه إلى المستثمرين من حوافز تشجيعيّة كالإعفاء الضريبيّ والتسهيلات الإداريّة، لكنّ الظروف السياسيّة أكبر منّا، فالمستثمر الفلسطينيّ يخشى ضياع ماله إن حدثت تطوّرات أمنيّة كبيرة، الأمر الذي يدفعه إلى الاستثمار في بيئة أكثر أماناً. هذه حقيقة تؤلمنا، ففلسطين أولى بأموال أبنائها، لكنّه الواقع المؤسف".

يشكّل ارتفاع معدّل الاستثمارات الفلسطينيّة في الخارج اعترافاً من السلطة الفلسطينية بالواقع الاقتصاديّ الفلسطينيّ المحطّم، إضافة إلى دور التحوّلات السياسيّة والأمنيّة في الساحة الفلسطينيّة التي شكّلت بيئة طاردة للاستثمار المحليّ وعقبة خطيرة أمام زيادة الاستثمار الأجنبيّ في الأراضي الفلسطينيّة.

تتوافر عوامل عدّة تدفع بالمستثمر الفلسطينيّ إلى الهجرة خارج بلاده وإغلاق استثماراته ونقلها إلى الخارج ، أوّلها الواقع المعقّد الذي تعيشه الأراضي الفلسطينيّة، وثانيها غياب الخطط الحكوميّة الحامية له، ونقص المساندة للقطاع الخاص، وثالثها زيادة معدّلات الضرائب المذهلة والجمارك والرسوم، ورابعها فقدان الدعم الحقيقيّ والحماية من السلطة الفلسطينيّة للاستثمارات المحليّة.

وقال أستاذ الاقتصاد في الجامعة العربيّة-الأميركيّة بالضفّة الغربيّة نصر عبد الكريم لـ"المونيتور": "إنّ هذه المعطيات المقلقة يجب أن تشكّل دافعاً للسلطة الفلسطينيّة لجذب الاستثمارات الفلسطينيّة من الخارج إلى الداخل، بإصدار تشريعات ميسّرة، والتسريع في إجراءات تسجيل الشركات، والتخفيف من نسبة المخاطرة أمام المستثمرين، لأنّهم يبحثون عن أوضاع تنمّي رؤوس أموالهم، ولا تنقصها. لا نستطيع مطالبة المستثمرين بالبقاء داخل فلسطين لضخّ أموالهم في مشاريع استثماريّة، والبلد لا يعيش أوضاعاً طبيعيّة".

يعتبر بحث المستثمرين عن تنويع مصادر استثماراتهم خارج بلدانهم أمراً طبيعيّاً، ولكن في الحالة الفلسطينيّة فإنّ هذه الحقائق تعتبر ترجمة واضحة لما يتأثّر به الفلسطينيّون سلباً، ومنهم المستثمرون، من ظروف سياسيّة وأمنيّة مضطّربة وغير مستقرّة، ولأنّ رأس المال يبحث عن الربح، فإنّ الاقتصاد الفلسطينيّ يشهد ركوداً وتراجعاً وغياباً لبيئة تسويق الاستثمار بين قطاع غزّة والضفّة الغربيّة.

إسرائيل من جهتها تستهدف المشاريع الاستثماريّة الفلسطينيّة بصورة موجّهة بإعاقة إدخال الموادّ الخامّ إلى الأراضي الفلسطينيّة، والتحكّم في طبيعة أدوات التصنيع، وعرقلة عمليتيّ التصدير والاستيراد بين غزّة والضفّة، أو منهما إلى الخارج، أو الاستيراد من الخارج إلى الداخل.

بدوره، قال رئيس اللجنة الاقتصاديّة في المجلس التشريعيّ عن "حماس" عاطف عدوان لـ"المونيتور": "إنّ المستثمرين الفلسطينيّين يعانون من البيئة السياسيّة الفلسطينيّة المتدهورة يوماً بعد يوم، سواء أكان بسبب إجراءات الاحتلال الإسرائيليّ أم الانقسام الفلسطينيّ. ومن العوامل التي تدفعهم إلى ضخّ أموالهم خارج فلسطين السلوك السياسيّ والأمنيّ والاقتصاديّ للسلطة الفلسطينيّة والدوائر المحيطة بها بفرض "إتاوات" على المستثمرين، ولو بطريقة غير مباشرة، وإدخالهم في دوّامة روتينيّة بيروقراطيّة من الطلبات والأوراق بين الوزارات بصورة مرهقة لهم، وتدخّل بعض الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة بعمل بعضهم، وإيقاعهم تحت طائلة الابتزاز، وغياب الحماية القانونيّة لهم".

فيما تسعى السلطة الفلسطينيّة إلى جلب المستثمرين الأجانب لضخّ أموالهم في الأراضي الفلسطينيّة، فإنّها لم تعمل بشكل كاف على تعزيز صمود المستثمرين الفلسطينيّين، ولم تقرّ السياسات ذات العلاقة بحمايتهم.

تتركّز الاستثمارات الفلسطينيّة الداخليّة على القطاعات التجاريّة والعقاريّة، مقابل تراجعها في القطاعات الإنتاجيّة والصناعيّة بسبب غياب الحماية الداخليّة والعراقيل الإسرائيليّة وغياب السيطرة الفلسطينيّة على المعابر والموانئ، وصعوبة نقل الأموال بين المصارف الفلسطينيّة، بسبب خضوعها لرقابة فلسطينيّة - إسرائيليّة.

وقال رئيس تحرير صحيفة "الاقتصاديّة" في قطاع غزّة محمّد أبو جياب لـ"المونيتور": "إنّ الفساد المستشري في السلطة الفلسطينيّة أحد الأسباب الطاردة للاستثمارات المحليّة، بجانب التعقيدات السياسيّة والأمنيّة في الأراضي الفلسطينيّة. وتتوجّه هجرة الاستثمارات الفلسطينيّة نحو الأردن ومصر وتركيا وأميركا اللاتينيّة، وتتركّز في القطاعات الصناعيّة والتجاريّة والعقاريّة. فيما أبرز الاستثمارات العربيّة في فلسطين، وتحديداً في الضفّة الغربيّة، تتركّز في الاستثمارات السعوديّة والإماراتيّة والأردنيّة، وبعض الاستثمارات الأجنبيّة في القطاعات الماليّة والخدميّة، وتغيب هذه الاستثمارات بغالبيّتها عن قطاع غزّة، بحكم الواقعين السياسيّ والأمنيّ، وسيطرة حماس عليه".

تجعل الأرقام المنشورة حديثاً عن هجرة الإستثمارات الحاجة ملحّة لإجراء مراجعة شاملة لاتفاقيّات السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل، لا سيّما اتفاق باريس الاقتصاديّ، الذي يقيّد عجلة الاستثمار الفلسطينيّ، وصولاً إلى توفير بيئة مناسبة تجذب الاستثمارات إلى الاقتصاد الفلسطينيّ، خصوصاً في القطاعات المشغّلة للعمالة والدورة الإنتاجيّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept